جاري جلب الدرس وحساب الإحصاءات...
سيمنح فضيلة الشيخ الدكتور زياد حبُّوب أبو رجائي إجازة سند متصل إلى الشيخ خليل بن إسحاق الجندي لمن واظب وسجل في قائمة طلبة العلم.
..
..
..
..
..
~
..
..
..
..
..
انضم لطلبة العلم
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرح مختصر خليل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرح مختصر خليل. إظهار كافة الرسائل

أحكام الماء اليسير وما يكره استعماله في الطهارة

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ كَرَاهَةِ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ أَوْ اسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ اليَسِيرِ كَآنِيَةِ الوُضُوءِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ إلَى ذٰلِكَ بِقَوْلِهِ: «وَكُرِهَ يَسِيرٌ كَآنِيَةِ وُضُوءٍ...».
أَوَّلاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
1. حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الْغَمْسِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: نَهَى النَّبِيُّ × عَنْ غَمْسِ الْيَدِ فِي "الْإِنَاءِ" وَهُوَ المَاءُ الْقَلِيلُ (الْيَسِيرُ) خَشْيَةَ وُصُولِ نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ قَدْ لَا تُغَيِّرُ أَوْصَافَ المَاءِ، فَدَلَّ هٰذَا النَّهْيُ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَكَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ الْيَسِيرِ الَّذِي يَتَوَهَّمُ وُرُودُ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ.
2. حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ (مفهوم المخالفة):
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ×: «إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ» [رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: المَفْهُومُ مِنْ النَّصِّ أَنَّ المَاءَ إِذَا كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَقَدْ يَحْمِلُ الْخَبَثَ وَيَتَأَثَّرُ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ مَاءُ آنِيَةِ الْوُضُوءِ (كَالْمُدِّ أَوِ الصَّاعِ) أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْقُلَّتَيْنِ، كَانَ مَظِنَّةً لِلتَّأَثُّرِ، فَنُدِبَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ وَكُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ خُرُوجاً مِنْ خِلَافِ الشَّافِعِيَّةِ القَائِلِينَ بِنَجَاسَتِهِ.
ثَانِياً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ
1. قَاعِدَةُ (سَدِّ الذَّرَائِعِ):
تَقْتَضِي القَاعِدَةُ مَنَعَ الوَسَائِلِ المُمَهِّدَةِ لِلْمَفَاسِدِ، وَالمَاءُ اليَسِيرُ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ مَظِنَّةُ التَّأَثُّرِ بِالنَّجَاسَةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي قَدْ تَعْجِزُ الحَوَاسُّ عَنْ إِدْرَاكِهَا، فَكُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ سَدّاً لِذَرِيعَةِ التَّلَبُّسِ بِالنَّجَاسَةِ فِي العِبَادَةِ.
2. قَاعِدَةُ (الْمَظِنَّةُ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَئِنَّةِ):
لَمَّا كَانَ المَاءُ القَلِيلُ يَعْسُرُ جِدّاً مَعْرِفَةُ مَدَى سَلَامَتِهِ التَّامَّةِ عِنْدَ مُلاَقَاةِ النَّجَاسَةِ أَوْ حُلُولِهَا فِيهِ، نُزِّلَتْ مَظِنَّةُ التَّأَثُّرِ مَنْزِلَةَ الحَقِيقَةِ فِي الشَّفَقَةِ وَالاحْتِيَاطِ، فَنُدِبَ تَرْكُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ تَنْزِيهاً لِلْعِبَادَةِ.
ثَالِثاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ
1. قِيَاسُ الطَّرْدِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ عَلَى المَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ؛ بِجَامِعِ وُرُودِ الشَّبَهَةِ وَعَدَمِ ظُهُورِ التَّغَيُّرِ فِي كِلَيْهِمَا؛ فَمَا أَوْجَبَ الكَرَاهَةَ وَالاحْتِيَاطَ ثَمَّ يُوجِبُ الكَرَاهَةَ هُنَا.
2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ المُمْتَزِجِ بِالنَّجَاسَةِ اللَّطِيفَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ أَوْ الشَّدِيدِ السُّخُونَةِ؛ بِعِلَّةِ وُجُودِ المَانِعِ أَوْ الاحْتِمَالِ المَانِعِ مِنْ كَمَالِ الطَّهَارَةِ فِي الأَبْدَانِ، فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى المَشْهُورِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ.
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فِي الغُسْلِ
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ القَلِيلِ بِقَدْرِ آنِيَةِ الغُسْلِ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ إلَى ذٰلِك بِقَوْلِهِ: «وَغُسْلٍ بِنَجِسٍ لَمْ يُغَيِّرْهُ...».
أَوَّلاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
1. حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: هٰذَا الحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَنَّ المَاءَ لاَ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ المُلَاَقَاةِ لِلنَّجَاسَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الظَّهُورِ فِي التَّغَيُّرِ؛ فَمَا دَامَ المَاءُ (وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً بِقَدْرِ آنِيَةِ الغُسْلِ) لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ طَهُورِيَّتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا.
2. حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ × قَالَ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: النَّهْيُ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الكَرَاهَةِ إِذَا كَانَ المَاءُ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّ خَلْطَ المَاءِ بِالنَّجَاسَةِ يُقَذِّرُهُ وَيَجْعَلُ النَّفْسَ تَعَافُ اسْتِعْمَالَهُ فِي العِبَادَةِ، فَنُدِبَ تَرْكُهُ تَنْزِيهاً.
ثَانِياً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ

1. قَاعِدَةُ (الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ):
لَمَّا كَانَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ يَرَوْنَ نَجَاسَةَ المَاءِ القَلِيلِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، كَانَ الخُرُوجُ مِنْ هٰذَا الخِلَافِ الشَّدِيدِ مُسْتَحَبّاً؛ لِذٰلِكَ كُرِهَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ صِحَّةِ التَّطَهُرِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ.
2. قَاعِدَةُ (الْمَظِنَّةُ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْمَئِنَّةِ):
ورُودُ النَّجَاسَةِ عَلَى المَاءِ القَلِيلِ (كَآنِيَةِ الغُسْلِ الَّتِي هِيَ بِقَدْرِ الصَّاعِ) يَجْعَلُهُ مَظِنَّةً لِلْتَّأَثُّرِ الخَفِيِّ، فَنُزِّلَتِ المَظِنَّةُ مَنْزِلَةَ اليَقِينِ فِي الشَّفَقَةِ وَالاحْتِيَاطِ لِلطَّهَارَةِ.
ثَالِثاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ

1. قِيَاسُ الطَّرْدِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ فِي الغُسْلِ عَلَى المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فِي الوُضُوءِ؛ بِجَامِعِ المُلَاَقَاةِ مَعَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ فِي كِلَيْهِمَا، فَمَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الكَرَاهَةِ فِي الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى يَثْبُتُ لَهُ فِي الطَّهَارَةِ الكُبْرَى.
2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
قِيَاسُ المَاءِ القَلِيلِ المَخْلُوطِ بِالنَّجَاسَةِ غَيْرِ الْمُغَيِّرَةِ عَلَى المَاءِ الْمُسَخَّنِ بِالشَّمْسِ فِي الأَوَانِي المُنْطَبِعَةِ؛ بِعِلَّةِ وُجُودِ المَانِعِ أَوْ الاحْتِمَالِ المَانِعِ مِنْ كَمَالِ النَّظَافَةِ وَالتَّنْزِيهِ، فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُمَا عَلَى المَشْهُورِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِمَا.
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ القَلِيلِ كَآنِيَةِ الوُضُوءِ إِذَا شَرِبَ مِنْهُ الكَلْبُ مَعَ بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ إلَى ذٰلِك بِقَوْلِهِ: «أَوْ وَلَغَ فِيهِ كَلْبٌ...».
أَوَّلاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
1. الدَّلِيلُ مِنَ الكِتَابِ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِ الكَلْبِ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْلَ مَا صَادَهُ الكَلْبُ المُعَلَّمُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِغَسْلِ مَوْضِعِ أَنْيَابِهِ مِنَ الصَّيْدِ، فَلَوْ كَانَ رِيقُهُ نَجِساً لَأُمِرَ بِتَطْهِيرِهِ لِكَوْنِ النَّجَاسَةِ لاَ يُعْفَى عَنْهَا فِي المَأْكُولاَتِ، فَدَلَّ عَلَى طَهَارَةِ ذَاتِهِ وَرِيقِهِ وَعَدَمِ نَجَاسَةِ المَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ.
2. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
 وَجْهُ الدَّلَالَةِ: حَمَلَ المَالِكِيَّةُ الأَمْرَ بِالغَسْلِ عَلَى التَّعَبُّدِ لاَ عَلَى النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ المَاءِ وَغَسْلِ الإِنَاءِ، فَمُخَالَفَةُ ذٰلِكَ بِاسْتِعْمَالِ المَاءِ فِيهِ نَوْعُ تَرَخُّصٍ تَلْحَقُهُ الكَرَاهَةُ تَنْزِيهاً، مَعَ انْضِمَامِ عُمُومِ حَدِيثِ «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» الدَّالِّ عَلَى بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّر
ثَانِياً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ
1. قَاعِدَةُ (الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ مُسْتَحَبٌّ):
لَمَّا كَانَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ يَرَوْنَ نَجَاسَةَ سُؤْرِ الكَلْبِ وَعَدَمَ جَوَازِ التَّطَهُرِ بِهِ، كَانَ الخُرُوجُ مِنْ هٰذَا الخِلَافِ القَوِيِّ مُسْتَحَبّاً؛ لِذٰلِك كُرِهَ اسْتِعْمَالُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ المَالِكِيُّ خُرُوجاً مِنْ الخِلاَفِ مَعَ صِحَّةِ عِبَادَتِهِ بِهِ عِنْدَ العَدَمِ.
2. قَاعِدَةُ (الأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ):
تَقْتَضِي القَاعِدَةُ أَنَّ الحَيَّ طَاهِرٌ ذَاتاً وَسُؤْراً حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَحَيْثُ لَمْ يَثْبُتِ التَّنْجِيسُ فِي رِيقِ الكَلْبِ بَقِيَ المَاءُ عَلَى أَصْلِ طَهُورِيَّتِهِ، وَنُزِّلَ أَمْرُ الشَّارِعِ بِغَسْلِ الإِنَاءِ عَلَى الاحْتِيَاطِ وَالكَرَاهَةِ فِي المَاءِ القَلِيلِ.
ثَالِثاً: الدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ
1. قِيَاسُ الطَّرْدِ:
قِيَاسُ المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ عَلَى المَاءِ اليَسِيرِ الَّذِي حَلَّتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ تُغَيِّرْهُ؛ بِجَامِعِ وُرُودِ الشَّبَهَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالاحْتِمَالِ المَانِعِ مَعَ بَقَاءِ أَوْصَافِ المَاءِ ثَابِتَةً فِي كِلَيْهِمَا؛ فَمَا أَوْجَبَ الكَرَاهَةَ ثَمَّ يُوجِبُهَا هُنَا.
2. قِيَاسُ الْعِلَّةِ:
قِيَاسُ وُلُوغِ الكَلْبِ فِي المَاءِ اليَسِيرِ عَلَى اسْتِعْمَالِ المَاءِ المَكْشُوفِ الَّذِي يُخَافُ سِرَايَةُ الطَّوَارِقِ إِلَيْهِ؛ بِعِلَّةِ الاحْتِيَاطِ لِلطَّهَارَةِ وَمُرَاعَاةِ الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ بِالتَّنْظِيفِ وَالتَّنْزِيهِ، فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ.

حكم الماء المستعمل

  قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ : [وَكُرِهَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَدَثٍ؛ وَفِي غَيْرِهِ تَرَدُّدٌ]
وَتَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ : بِتَقْرِيرِ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ لِلْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَتْ أَعْضَاءَ الْمُتَعَبِّدِينَ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِنَفْيِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ عَنِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْأَحْدَاثِ أَوْ التَّقَرُّبَاتِ مَعَ إِثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ رِعَايَةً لِخِلَافِ النُّظَّارِ، ثُمَّ بَيَانِ تَرَدُّدِ جِيلِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَقْلِ حُكْمِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ كَالْفَضَائِلِ وَالتَّجْدِيدِ.
وَمَعْنَاهَا : أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ الَّذِي لَاقَى أَعْضَاءَ الْمُتَوَضِّئِ أَوِ الْمُغْتَسِلِ يَكُونُ حُكْمُهُ أَنَّهُ [كُرِهَ] اسْتِعْمَالُهُ ابْتِدَاءً مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ، شَرِيطَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نُقِلَ بِهِ حُكْمٌ وَقَعَ [فِي حَدَثٍ] أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، وَعِلَّةُ الْكَرَاهَةِ تَدُورُ بَيْنَ خُرُوجٍ مِنْ خِلَافِ مَنْ سَلَبَهُ الطَّهُورِيَّةَ كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَوْ لِتَقْذِيرِ الْمَاءِ عَلَى النُّفُوسِ. ثُمَّ انْتَقَلَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْمَاءِ اسْتُعْمِلَ [وَفِي غَيْرِهِ] أَيْ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ كَالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ وَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ، فَقَدْ جَرَى فِيهِ [تَرَدُّدٌ] لِلْمُتَأَخِّرِينَ فِي النَّقْلِ عَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ هَلْ يُلْحَقُ بِالْأَوَّلِ فِي الْكَرَاهَةِ أَمْ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ.
وَمِثَالُهَا : أَنْ يَتَوَضَّأَ شَخْصٌ فِي إِنَاءٍ صَغِيرٍ فَيَجْتَمِعَ الْمَاءُ الْمُتَسَاقِطُ مِنْ أَعْضَائِهِ؛ فَهَذَا الْمَاءُ طَهُورٌ يَصِحُّ التَّطْهِيرُ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لَكِنَّهُ [مَكْرُوهٌ] مَعَ وُجُودِ مَاءٍ غَيْرِهِ طَاهِرٍ. فَإِنْ كَانَ قَدِ اغْتَسَلَ بِهِ لِجُمُعَةٍ فَقَطْ (غَيْرِ حَدَثٍ)، فَهُوَ مَحَلُّ الِاضْطِرَابِ وَالتَّرَدُّدِ الْمَذْهَبِيِّ.
أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ نَوَازِلُ
المِثَالُ 1 : قِيَامُ مَسْجِدٍ بِإِعَادَةِ [تَدْوِيرِ الْمِيَاهِ النَّاتِجَةِ عَنْ مِيضَأَةِ الْوُضُوءِ فَقَطْ دُونَ مِيَاهِ الْمَرَاحِيضِ]، ثُمَّ ضَخُّهَا فِي خَزَّانٍ خَاصٍّ لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا الْمُصَلُّونَ مَرَّةً أُخْرَى؛ فَالْفِقْهُ الْمَالِكِيُّ يَحْكُمُ بِـ [صِحَّةِ الْوُضُوءِ بِهَا مَعَ كَرَاهَةِ ذَلِكَ تَنْزِيهاً] إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَاءٌ جَدِيدٌ نَقِيٌّ مَوْجُودٌ.
المِثَالُ 2 : جَمْعُ الْمَاءِ النَّاتِجِ عَنْ [غَسْلِ الْأَيْدِي لِلْمَأْكُولِ أَوْ التَّبَرُّدِ النَّاشِئِ عَنِ الْحَرِّ الْقَائِظِ فِى الْمَصَانِعِ]، فَهَذَا مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ حَدَثٍ؛ فَإِذَا أُرِيدَ إِدْخَالُهُ فِي التَّطْهِيرِ جَرَى فِيهِ [التَّرَدُّدُ النَّقْلِيُّ بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْجَوَازِ الْمُطْلَقِ].
الْنَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ : يَدُورُ النَّظَرُ فِيهَا بَيْنَ إِعْمَالِ مَنَاطِ (الْأَصَالَةِ الطَّهُورِيَّةِ لِلْمَاءِ الَّتِي لَا تَزُولُ بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاةِ الْبَدَنِ الطَّاهِرِ) وَهُوَ مَدْرَكٌ قَوِيٌّ تَعَضَّدَ بِالسُّنَّةِ، وَبَيْنَ تَنْقِيحِ مَدْرَكِ (رِعَايَةِ الْخِلَافِ الْعَالِي وَدَفْعِ تَقْذِيرِ الْعِبَادَةِ)؛ فَالْمَاءُ لَمَّا بَاشَرَ فَرْضاً تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُ النَّفْسِيَّةُ عِنْدَ النُّظَّارِ، مِمَّا أَوْجَبَ حُكْمَ الْكَرَاهَةِ مَشْرُوطاً بِالْقِلَّةِ وَوُجُودِ الْغَيْرِ. أَمَّا التَّرَدُّدُ فِي غَيْرِ الْحَدَثِ فَنَاشِئٌ عَنْ تَعَارُضِ النَّقْلِ فِى اِلْحَاقِ نَفْلِ الْعِبَادَةِ (كَالْغُسْلِ الْمَسْنُونِ) بِفَرْضِهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْكَرَاهَةِ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ : هَلْ كَوْنُ الْمَاءِ الْقَلِيلِ قَدْ بَاشَرَ أَعْضَاءَ رَفْعِ الْحَدَثِ مَنَاطٌ لِثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ مَعَ بَقَاءِ الطَّهُورِيَّةِ مَذْهَبِيّاً؟
الأَدِلَّةُ مِنْ :
1. الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ : {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ}
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْمَاءَ بِالْإِطْلَاقِ الْمُطَهِّرِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ الْعَظِيمِ إِلَّا بِنَاقِضٍ بَيِّنٍ كَالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ طَهُوراً بِلَا سَلْبٍ.
2. السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ : عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × جَاءَ يَعُودُهُ فَوَجَدَهُ قَدْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ × ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيْهِ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ لَفْظَ وَضُوءَهُ هُنَا يَعْنِي الْمَاءَ الَّذِي تَسَاقَتَ مِنْ أَعْضَاءِ النَّبِيِّ × الْكَرِيمَةِ، فَلَوْ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ الطَّهُورِيَّةِ لَمَا صَبَّهُ عَلَيْهِ لِيَحْصُلَ مَقْصِدُ التَّطْهِيرِ وَالْبَرَكَةِ.
3. قِيَاسُ عِلَّةٍ : قِيَاسُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ بِيَدِ الْمُتَعَبِّدِ عَلَى الثَّوْبِ الْمَبْلُولِ الَّذِي لَاقَى أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ، بِجَامِعِ كَوْنِ كِلَيْهِمَا جَوْهَراً طَاهِراً لَاقَى بَدَناً لَمْ تَقُمْ بِهِ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ، فَتَحَقَّقَتْ عِلَّةُ الطَّهَارَةِ.
4. قَاعِدَةُ : قَاعِدَةُ (الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ الْمُعْتَبَرِ مُسْتَحَبٌّ فِى بَابِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ)؛ وَتَنْزِيلُهَا أَنَّ الْكَرَاهَةَ هُنَا شُرِعَتْ لِتَوَقِّي مَذْهَبِ مَنْ مَنَعَ التَّطْهِيرَ بِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ رَعْيَاً لِلْمَآلِ.
الْفَوَائِدُ :
تَتَجَلَّى النَّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَنْقِيحِ مُصْطَلَحِ (التَّرَدُّدِ) الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِى مَتْنِهِ؛ حَيْثُ بَيَّنَ عُلَمَاؤُنَا فِى شُرُوحِ التَّخْرِيجِ أَنَّ لَفْظَ التَّرَدُّدِ لَا يَعْنِي اضْطِرَاباً فِي النَّظَرِ الشَّخْصِيِّ لِلْخَلِيلِ، بَلْ هُوَ مُصْطَلَحٌ أُصُولِيٌّ اصْطِلَاحِيٌّ يَعْنِي بِهِ (عَدَمَ نَصِّ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى حُكْمِ النَّازِلَةِ، مَعَ تَعَارُضِ طُرُقِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ تَعْدِيَةً أَوْ مَنْعاً). فَمَنْ نَقَلَ الْكَرَاهَةَ فِى غَيْرِ الْحَدَثِ لَحَظَ الْجَامِعَ التَّعَبُّدِيَّ فِى مُلَاقَاةِ الْأَعْضَاءِ نَفْلاً، وَمَنْ نَقَلَ الْجَوَازَ الْمُطْلَقَ لَحَظَ قَصْرَ سَبَبِ الضَّعْفِ عَلَى رَفْعِ الْمَنْعِ الْحَدَثِيِّ الْوَاجِبِ فَقَطْ، مِمَّا يُبَيِّنُ دِقَّةَ التَّسْمِيَةِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ نَفْياً لِلِاضْطِرَابِ الشَّرْعِيِّ مَذْهَبِيّاً.

 مُصْطَلَحَاتُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَتَفْكِيكُهَا فِي الْمَتْنِ
اِسْتَعْمَلَ الْمُصَنِّفُ فِى هَذَا النَّظْمِ أَلْفَاظاً اصْطِلَاحِيَّةً دَقِيقَةً مَشْخُونَةً بِالْأَسْرَارِ التَّقْيِيدِيَّةِ، نُفَصِّلُهَا عَبْرَ هَذِهِ الْفِقْرَةِ:

 تَفْكِيكُ لَفْظِ [كُرِهَ] : يَسْتَعْمِلُهُ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَشْرُوطٌ فِى الْقَوَانِينَ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَاءٌ غَيْرُهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الِاسْتِعْمَالِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ نَفْساً.
 تَفْكِيكُ لَفْظِ [فِي حَدَثٍ] : قَيْدٌ طَرْدِيٌّ مَقْصُودٌ بِهِ إِخْرَاجُ مَا اسْتُعْمِلَ فِى الْعَادَاتِ الْبَحْتَةِ كَالْتَّبَرُّدِ وَإِزَالَةِ الْأَوْسَاخِ، فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ اِتِّفَاقاً لِعَدَمِ خُرُوجِهِ فِى تَعَبُّدٍ.
 تَفْكِيكُ لَفْظِ [تَرَدُّدٌ] : هُوَ رَمْزٌ خَاصٌّ بِاخْتِلَافِ الشُّرَّاحِ (كَأَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ يُونُسَ) فِى فَهْمِ رِوَايَةِ الْأُمِّ حَيْثُ لَمْ يَجِدُوا نَصّاً جَلِيّاً مَنْقُولاً عَنْ مَالِكٍ فِى غَيْرِ الْحَدَثِ.
 بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ :
1. الْمُعْتَمَدُ : كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ الْمُسْتَعْمَلِ فِى حَدَثٍ مَعَ بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ، وَوُجُودِ التَّرَدُّدِ النَّقْلِيِّ (بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ) فِيمَا اسْتُعْمِلَ فِى غَيْرِ حَدَثٍ مِمَّا هُوَ قُرْبَةٌ، وَهُوَ مَا جَزَمَ بِهِ خَلِيلٌ تَقْرِيراً لِلْمَشْهُورِ.
2. الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : مَا يَنْزِعُ إِلَيْهِ بَعْضُ النُّظَّارِ مِنْ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ تَمَاماً إِلَى حَدِّ الطَّهَارَةِ غَيْرِ الْمُطَهِّرَةِ تَبَعاً لِلْغَيْرِ، وَهُوَ نَقْلٌ مَهْجُورٌ مَذْهَبِيّاً مَرْدُودٌ بِنَصِّ حَدِيثِ جَابِرٍ عِلْمِيّاً.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ :
تُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْكَرَاهَةِ الْمَشْرُوطَةِ فِى الْحَدَثِ مَعَ إِبْقَاءِ التَّرَدُّدِ فِى غَيْرِهِ تَبَعاً لِمَا سَطَّرَهُ خَلِيلٌ؛ وَذَلِكَ لِجَرَيَانِ قَاعِدَةُ (الْمُدَوَّنَةُ حَاكِمَةٌ وَمُقَدَّمَةٌ فِى تَقْرِيرِ أُصُولِ الطَّهَارَةِ) حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا نَقْصُ جَوْهَرِ الْمَاءِ بِالْوُضُوءِ، وَقَاعِدَةُ (إِذَا صَرَّحَ الشَّيْخُ بِالْتَّرَدُّدِ وَجَبَ إِبْقَاءُ الْقَوْلَيْنِ جَارِيَيْنِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ قَطْعٍ تَعَسُّفِيٍّ)؛ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُ نَصِّ الْمَتْنِ الْمُعَضَّدِ بِشَرْحِ عِليشٍ وَالدَّرْدِيرِ حَسْماً لِلِاضْطِرَابِ الشَّرْعِيِّ مَذْهَبِيّاً.
 التَّرْجِيحُ حَسَبَ الدَّلِيلِ الْأُصُولِيِّ :
1. مَدْرَكُ الْمُعْتَمَدِ : إِعْمَالُ نَصِّ السُّنَّةِ (إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ) النَّافِي لِلسَّلْبِ الْوَضْعِيِّ، مَعَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَعْلِيلِ التَّقْذِيرِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ الْعَالِي بِإِثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ، فَكَانَ حُكْمُ الْمَتْنِ هُوَ الْأَعْدَلُ أُصُولِيّاً.
2. مَدْرَكُ الْمُقَابِلِ : إِلْغَاءُ خُصُوصِيَّةِ الطَّهَارَةِ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمِيَاهِ وَالْجُمُودِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُبَاشَرَةٍ لِلْعِبَادَةِ تُسْقِطُ صَلَاحِيَّةَ الْعَيْنِ تَعَبُّداً، مَعَ إِغْفَالِ التَّوْجِيهَاتِ النَّبَوِيَّةِ الصَّرِيحَةِ فِى فِعْلِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
 تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ :
مَحَلُّ النِّزَاعِ هُوَ فِي سَلْبِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِى الْحَدَثِ أَوْ كَرَاهَتِهِ عِنْدَ إِعَادَتِهِ لِلطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ. وَيُرَدُّ عَلَى ذَلِكَ مُبَاشَرَةً : أَنَّ الْمَشْهُورَ الْمَعْمُولَ بِهِ مَذْهَبِيّاً هُوَ بَقَاؤُهُ طَهُوراً مَعَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ إِذَا كَانَ قَلِيلاً وَوُجِدَ غَيْرُهُ، وَبَقَاءُ التَّرَدُّدِ النَّقْلِيِّ فِى غَيْرِ الْحَدَثِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالْتَّشْدِيدَاتِ الَّتِي تَقْضِي بِسَلْبِهِ التَّطْهِيرَ، لِأَنَّ الْقَوَانِينَ الْمَالِكِيَّةَ تَبْنِي أَحْكَامَهَا عَلَى النُّصُوصِ الْأَثَرِيَّةِ وَرَفْعِ الْحَرَجِ التَّعَبُّدِيِّ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَعْلَامِ الْمَذْهَبِ بِلَا تَرَدُّدٍ.

~~~~

حكم المخالط الموافق للماء كماء الورد

 وفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ
   تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى مَسْأَلَةٍ افْتِرَاضِيَّةٍ، وَهِيَ إِذَا سَقَطَ فِي المَاءِ شَيْءٌ "مُخَالِطٌ" لَكِنَّ صِفَاتِهِ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ تُوَافِقُ صِفَاتِ المَاءِ تَمَاماً كَمَاءِ الوَرْدِ الَّذِي فَقَدَ رِيحَهُ، أَوْ مَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ، بِحَيْثُ لَوْ وُضِعَ فِي المَاءِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ.
فَقَوْلُهُ "فِي جَعْلِهِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ" يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي المَذْهَبِ: هَلْ نُقَدِّرُ أَنَّ هَذَا الطَّاهِرَ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لَغَيَّرَ المَاءَ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ، أَمْ نَعْتَمِدُ عَلَى مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِعْلِيّاً فَلَا يُسْلَبُ؟
وَالدَّلِيلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ يَدُورُ بَيْنَ اتِّجَاهَيْنِ:
أَوَّلاً: وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَرَى "السَّلْبَ" التَّقْدِيرُ
القِيَاسُ عَلَى المُخَالِفِ: يَرَى أَصْحَابُ هَذَا القَوْلِ أَنَّ العِبْرَةَ بِـ "حَقِيقَةِ المُخَالَطَةِ" لَا بِظُهُورِ الأَثَرِ فَقَطْ. فَكَمَا أَنَّ الزَّعْفَرَانَ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ، فَكَذَلِكَ مَاءُ الوَرْدِ وَإِنْ فَقَدَ رِيحَهُ هُوَ أَجْنَبِيٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُ رِيحٌ لَغَيَّرَ المَاءَ، فَالغَلَبَةُ هُنَا "تَقْدِيرِيَّةٌ".
الدَّلِيلُ: أَنَّ المَاءَ لَمْ يَعُدْ "مَاءً مُطْلَقاً" فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ، بَلْ هُوَ مَاءٌ مَزِيجٌ، وَالشَّارِعُ أَمَرَ بِالتَّطَهُّرِ بِالمَاءِ الخَالِصِ.
ثَانِيًا: وَجْهُ قَوْلِ مَنْ يَرَى "عَدَمَ السَّلْبِ" البَقَاءُ عَلَى الأَصْلِ
اسْتِصْحَابُ الأَصْلِ: المَاءُ كَانَ طَهُوراً بِيَقِينٍ، وَهَذَا المُخَالِطُ لَمْ يُغَيِّرْ صِفَاتِهِ تَمَاماً، فَاليَقِينُ لَا يَزُولُ إِلَّا بِتَغَيُّرٍ مُحَقَّقٍ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُ النَّبِيِّ × : «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَقِيسَ عَلَيْهِ الطَّاهِرُ، فَمَادَامَ لَمْ يَحْدُثْ تَغَيُّرٌ مَحْسُوسٌ لِلْحَوَاسِّ البَشَرِيَّةِ فِي اللَّوْنِ أَوِ الطَّعْمِ أَوِ الرِّيحِ، بَقِيَ المَاءُ عَلَى صِفَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الطَّهُورِيَّةُ.
ثَالِثًا: مَعْنَى "النَّظَرِ" عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ
كَلِمَةُ "نَظَرٌ" فِي اصْطِلَاحِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَنْحَسِمْ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ أَنَّ النَّقْلَ عَنِ الأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِيهِ إِشْكَالٌ.
وَجْهُ النَّظَرِ: هُوَ التَّعَارُضُ بَيْنَ "الرَّعْيِ لِلْمَادَّةِ" أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ فَتَسْلُبُ وَبَيْنَ "الرَّعْيِ لِلصِّفَةِ" أَنَّ المَاءَ لَمْ يَتَغَيَّرْ حِسًّا فَلَا يَسْلُبُ.
هَذِهِ المَسْأَلَةُ تُسَمَّى "التَّقْدِيرُ فِي المَائِعَاتِ المُوافِقَةِ"، وَالمُعْتَمَدُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي المَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا خَالَطَ المَاءَ مُوَافِقٌ طَاهِرٌ كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ لَمْ يَسْلُبْهُ الطَّهُورِيَّةَ، أَمَّا إِذَا كَانَ المُوَافِقُ نَجِساً كَبَوْلٍ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ فَالِاحْتِيَاطُ هُوَ السَّلْبُ إِذَا كَانَ بِمِقْدَارٍ لَوْ خَالَفَ لَغَيَّرَ.
   تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى الخِلَافِ فِي المَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ الشَّخْصُ فِي فَمِهِ مَجَّهُ ثُمَّ صَبَّهُ فِي إِنَاءٍ: هَلْ يَبْقَى طَهُوراً يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ، أَمْ يَصِيرُ طَاهِراً غَيْرَ مُطَهِّرٍ؟
وَمَنْشَأُ "القَوْلَيْنِ" يَعُودُ إِلَى تَعَارُضِ الأَدِلَّةِ وَالنَّظَرِ فِي هَذَا المَاءِ:
القَوْلُ الأَوَّلُ: الجَوَازُ بَقَاءُ الطَّهُورِيَّةِ
الدَّلِيلُ: الِاسْتِصْحَابُ؛ فَالْمَاءُ دَخَلَ الفَمَ طَهُوراً، وَالأَصْلُ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَغَيُّرِهِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ فَمَ الإِنْسَانِ الطَّاهِرِ لَيْسَ بِنَجِسٍ، وَمُجَرَّدُ مُلَامَسَةِ المَاءِ لَهُ لَا تَسْلُبُهُ صِفَةَ الإِطْلَاقِ، كَمَا لَا تَسْلُبُهُ رُطُوبَةُ اليَدِ عِنْدَ غَسْلِهَا.
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ×  «مَجَّ مَجَّةً فِي دَلْوٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُنَجِّسُ المَاءَ أَوْ يَسْلُبُهُ طَهُورِيَّتَهُ لَمَا فَعَلَهُ × ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِإِتْلَافِ المَاءِ.
القَوْلُ الثَّانِي: عَدَمُ الجَوَازِ السَّلْبُ
الدَّلِيلُ: التَّغَيُّرُ بِالمُخَالِطِ الأَجْنَبِيِّ الرِّيقِ؛ فَالرِّيقُ مَادَّةٌ طَاهِرَةٌ لَكِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ المَاءِ، وَالفَمُ لَا يَخْلُو غَالِباً مِنَ الرِّيقِ وَبَقَايَا تَعَفُّنِ الأَسْنَانِ الخُلُوفِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ المَاءَ إِذَا دَخَلَ الفَمَ وَمَكَثَ فِيهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَالغَالِبُ أَنَّهُ خَالَطَهُ الرِّيقُ وَغَيَّرَ صِفَاتِهِ وَإِنْ كَانَ التَّغَيُّرُ خَفِيّاً، فَصَارَ كَمَا لَوْ خَالَطَهُ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ سَلَبَهُ اسْمَ "المَاءِ المُطْلَقِ".
سَبَبُ الخِلَافِ النُّكْتَةُ الفِقْهِيَّةُ:
يَعُودُ "القَوْلَانِ" إِلَى التَّرَدُّدِ فِي رِيقِ الإِنْسَانِ:
هَلْ هُوَ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ فِي الوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ؟ فَيَكُونُ المَاءُ طَهُوراً.
أَمْ هُوَ أَجْنَبِيٌّ خَالَطَ المَاءَ وَمَكْثُهُ فِيهِ مَقْصُودٌ؟ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةُ إِذَا فُرِضَ التَّغَيُّرُ.
مَحَلُّ الخِلَافِ فِي المَذْهَبِ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ المَاءُ تَغَيُّراً بَيِّناً، أَمَّا إِذَا خَرَجَ المَاءُ مِنَ الفَمِ مُتَغَيِّراً لَوْناً أَوْ رِيحاً بِحَيْثُ يُدْرَكُ بِالحِسِّ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلاً وَاحِداً لِقَاعِدَةِ: "التَّغَيُّرُ بِالطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ يَسْلُبُ".
التفصيل :
إِقَامَةُ الدَّلِيلِ لِمَسْأَلَةِ جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ وَالتَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ.
وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ تَقْدِيرِ الْغَلَبَةِ فِي الْمَائِعَاتِ الْمُوَافِقَةِ لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ، وَحُكْمِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمَمْجُوجِ مِنَ الْفَمِ.

أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: (وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ وفِي التَّطْهِيرِ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ قَوْلانِ).

 الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: جَعْلُ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ
تُصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِمَا إِذَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ شَيْءٌ طَاهِرٌ مُخَالِطٌ، لَكِنَّ صِفَاتِهِ (اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ وَالرَّائِحَةَ) تُوَافِقُ صِفَاتِ الْمَاءِ تَمَاماً، كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ، أَوْ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ حَدَثٍ؛ فَإِذَا صُبَّ فِي الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ مَحْسُوسٌ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُ. فَقَوْلُهُ: «وَفِي جَعْلِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ كَالْمُخَالِفِ نَظَرٌ» يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ تَرَدُّداً فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ نُقَدِّرَ أَنَّ هَذَا الطَّاهِرَ الْمُوَافِقَ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ لَغَيَّرَهُ فَيُسْلَبَ الطَّهُورِيَّةَ، أَمْ نَعْتَمِدَ عَلَى الْأَصْلِ الْمَوْجُودِ حِسّاً فَلَا يُسْلَبَ.

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ:
 الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ):
قَوْلُ النَّبِيِّ × : «إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» رواه أحمد والترمذي وصححه.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالطَّهُورِيَّةِ لِلْمَاءِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَالشَّارِعُ أَنَاطَ الْأَحْكَامَ بِالْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ الْمَوْجُودَةِ لَا بِالْأُمُورِ التَّقْدِيرِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ؛ وَمَادَامَ الْمَاءُ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ تَغَيُّرٌ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْبَشَرِيَّةِ فِي صِفَاتِهِ الثَّلَاثِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ طَهُوراً.
 الدَّلِيلُ الثَّانِي (الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ):
قَاعِدَةُ: «الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ طَهُورِيَّةَ الْمَاءِ مُتَيَقَّنَةٌ، وَزَوَالَهَا بِهَذَا الْمُخَالِطِ الطَّاهِرِ الْمُسَاوِي لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ مَشْكُوكٌ فِيهِ لِعَدَمِ ظُهُورِ التَّغَيُّرِ، فَلَا يَزُولُ الْيَقِينُ الشَّرْعِيُّ بِالْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ الِافْتِرَاضِيِّ، فَيُسْتَصْحَبُ أَصْلُ الطَّهُورِيَّةِ.
 الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (قِيَاسُ الْعِلَّةِ):
قِيَاسُ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ عَلَى الْمُخَالِفِ الْأَجْنَبِيِّ عِلَّةً وَحُكْماً.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ عِلَّةَ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ فِي الْمُخَالِفِ (كَالزَّعْفَرَانِ وَالصَّابُونِ) هِيَ «حَقِيقَةُ الْمُخَالَطَةِ» الَّتِي تُخْرِجُ الْمَاءَ عَنْ إِطْلَاقِهِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُوَافِقِ (كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ)؛ لِأَنَّهُ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَاءِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَقَرِّهِ وَلَا مَمَرِّهِ، فَلَوْ فُرِضَ مُخَالِفاً لَظَهَرَ أَثَرُهُ تَقْدِيراً، فَالْغَلَبَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ تَقُومُ مَقَامَ الْحِسِّيَّةِ فِي إِزَالَةِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ.
 الدَّلِيلُ الرَّابِعُ (قِيَاسُ الطَّرْدِ):
قِيَاسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْغَلَبَةِ فِي النَّجَاسَاتِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمُوَافِقِ النَّجِسِ (كَالْبَوْلِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ) إِذَا سَقَطَ فِي الْمَاءِ: إِنَّهُ يُقَدَّرُ مُخَالِفاً لِلِاحْتِيَاطِ فِي أَمْرِ النَّجَاسَةِ، فَيُطْرَدُ هَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَجْنَبِيٌّ خَالَطَ الْمَاءَ بِمِقْدَارٍ لَوْ كَانَ مُخَالِفاً لَغَيَّرَهُ.

 الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: التَّطْهِيرُ بِمَاءٍ جُعِلَ فِي الْفَمِ

تُصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيمَا إِذَا جَعَلَ الْمُتَوَضِّئُ مَاءً فِي فَمِهِ ثُمَّ مَجَّهُ (أَيْ صَبَّهُ) فِي إِنَاءٍ دُونَ أَنْ يَظْهَرَ فِيهِ تَغَيُّرٌ بَيِّنٌ؛ فَهَلْ يَبْقَى طَهُوراً يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِهِ، أَمْ يَصِيرُ طَاهِراً غَيْرَ مُطَهِّرٍ؟ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ قَوْلَانِ جَارِيَانِ.

 إِقَامَةُ الدَّلِيلِ:

 الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ  لِقَوْلِ الْجَوَازِ):
مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ × أَنَّهُ: «مَجَّ مَجَّةً فِي دَلْوٍ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ فِعْلَهُ × صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ الْمَجُّ فِي الْفَمِ يَسْلُبُ الْمَاءَ طَهُورِيَّتَهُ لَمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ × لِأَنَّ الشَّرْعَ يَنْهَى عَنْ إِفْسَادِ الْمِيَاهِ وَإِتْلَافِهَا، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ طَهُورِيَّتِهِ.
 الدَّلِيلُ الثَّانِي (الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ  لِقَوْلِ الْجَوَازِ):
قَاعِدَةُ: «مَا عَسُرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ».
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ رِيقَ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي مَقَامِ الْوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ وَالْمَضْمَضَةِ، فَمُلَامَسَةُ الْمَاءِ لِفَمِ الْمُتَطَهِّرِ لَا تَسْلُبُهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ لِلْمَشَقَّةِ، فَيَجْرِي فِيهِ الْعَفْوُ تَيْسِيراً عَلَى الْمُكَلَّفِينَ.
 الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (قِيَاسُ الْعِلَّةِ  لِقَوْلِ السَّلْبِ):
قِيَاسُ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ عَلَى الْمَاءِ الْمُخَالِطِ لِلْأَجْنَبِيِّ الطَّاهِرِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ عِلَّةَ السَّلْبِ هِيَ «الْمُخَالَطَةُ لِلْأَجْنَبِيِّ الطَّاهِرِ الَّذِي يَسْلُبُ صِفَةَ الْإِطْلَاقِ»، وَالرِّيقُ مَادَّةٌ طَاهِرَةٌ لَكِنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَالْفَمُ لَا يَخْلُو غَالِباً مِنَ الرِّيقِ وَالْخُلُوفِ؛ فَمَكْثُ الْمَاءِ فِي الْفَمِ يُؤَدِّي حَتْماً إِلَى مَزْجِهِ بِالرِّيقِ تَقْدِيراً، فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُقَيَّداً بِإِضَافَتِهِ إِلَى الرِّيقِ فَيُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ.
 الدَّلِيلُ الرَّابِعُ (قِيَاسُ الطَّرْدِ  لِقَوْلِ السَّلْبِ):
قِيَاسُ مَاءِ الْفَمِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي خَالَطَهُ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ خَارِجِيٌّ كَالْعَصِيرِ وَالْحَلِيبِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّهُ كَمَا يُسْلَبُ الْمَاءُ طَهُورِيَّتَهُ إِذَا خَالَطَهُ الْعَصِيرُ، فَكَذَلِكَ إِذَا خَالَطَهُ الرِّيقُ فِي الْفَمِ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا خَلَطٌ أَجْنَبِيٌّ طَاهِرٌ، وَتَعَلُّقُ النَّفْسِ بِهِ فِي الْفَمِ مَقْصُودٌ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ السَّلْبَ.
تَقْرِيرُ النُّكَتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَوَائِدِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُسْتَخْرَجَةِ مِنْ مَدَارِكِ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ:

 أَوَّلًا: النُّكَتُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُخَالِطِ الْمُوَافِقِ
 النُّكْتَةُ الْأُولَى (رَعْيُ الْمَادَّةِ ضِدَّ رَعْيِ الصِّفَةِ):
مَنْشَأُ «النَّظَرِ» الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ يَئُولُ إِلَى التَّنَازُعِ بَيْنَ أَصْلَيْنِ؛ هَلِ الْعِبْرَةُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِـ «الْأَعْيَانِ وَالْحَقَائِقِ» أَمْ بِـ «الْآثَارِ وَالصِّفَاتِ»؟ فَمَنْ رَعَى «الْمَادَّةَ» قَالَ: هَذَا مَاءٌ مَزِيجٌ بِأَجْنَبِيٍّ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فَيُسْلَبُ، وَمَنْ رَعَى «الصِّفَةَ» قَالَ: الْأَحْكَامُ تَدُورُ مَعَ الْعِلَلِ الْمَحْسُوسَةِ، وَمَادَامَ التَّغَيُّرُ مَفْقُوداً فَالصِّفَةُ الشَّرْعِيَّةُ (الْإِطْلَاقُ) بَاقِيَةٌ.
 النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ (الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ وَالْمُوَافِقِ النَّجِسِ):
فَرَّقَ مُتَأَخِّرُو الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمُعْتَمَدِ بَيْنَ الْمُوَافِقِ الطَّاهِرِ (كَمَاءِ الْوَرْدِ الْمُنْقَطِعِ) فَلَمْ يَسْلُبُوا الْمَاءَ طَهُورِيَّتَهُ، بَيْنَمَا أَوْجَبُوا السَّلْبَ وَالِاحْتِيَاطَ فِي الْمُوَافِقِ النَّجِسِ (كَالْبَوْلِ الْمُنْقَطِعِ الرَّائِحَةِ)؛ لِأَنَّ بَابَ الطَّهَارَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّيْسِيرِ فَلَا نَنْقُلُ الْمَاءَ عَنْ أَصْلِهِ بِالْفَرْضِ، بَيْنَمَا بَابُ النَّجَاسَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَزْمِ وَالِاحْتِيَاطِ لِخُطُورَةِ مَلَافَحَتِهَا لِلْعِبَادَةِ.
 ثَانِيًا: النُّكَتُ الْفِقْهِيَّةُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَاءِ الْمَمْجُوجِ مِنَ الْفَمِ
 النُّكْتَةُ الْأُولَى (طَبِيعَةُ الرِّيقِ بَيْنَ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ):
يَعُودُ الْخِلَافُ فِي السَّلْبِ وَعَدَمِهِ إِلَى النَّظَرِ فِي رِيقِ الْإِنْسَانِ؛ فَمَنْ رَآهُ جُزْءاً مُتَّصِلاً بِالْفَمِ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي مَقَامِ الْمَضْمَضَةِ أَلْحَقَهُ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ مَقَرِّ الْمَاءِ وَمَمَرِّهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِالسَّلْبِ، وَمَنْ رَآهُ مَادَّةً مُنْفَصِلَةً مُسْتَقِلَّةً عَنِ الْمَاءِ عِظَمَ مُكْثُ الْمَاءِ مَعَهَا لَحِقَهُ بِالْأَجْنَبِيِّ الْمُجَاوِرِ الَّذِي يُوجِبُ التَّقْيِيدَ فَقَالَ بِالسَّلْبِ.
 النُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ (مَحَلُّ التَّرَدُّدِ وَالْإِجْمَاعِ):
مَحَلُّ «الْقَوْلَيْنِ» عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ هُوَ إِذَا خَرَجَ الْمَاءُ مِنَ الْفَمِ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ تَبَعاً لِلْحِسِّ، أَمَّا إِذَا خَرَجَ الْمَاءُ وَقَدْ تَغَيَّرَ صَرِيحاً فِي لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِسَبَبِ بَقَايَا طَعَامٍ أَوْ تَعَفُّنٍ يُدْرَكُ بِالْعَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْلَبُ الطَّهُورِيَّةَ قَوْلاً وَاحِداً وَبِلَا خِلَافٍ، جَرْياً عَلَى قَاعِدَةِ: «التَّغَيُّرُ بِالطَّاهِرِ الْأَجْنَبِيِّ الْمَحْسُوسِ يَسْلُبُ».

حكم ماء البئراذا سقط ورق الشجر

 أَوْ بِئْرٍ بِوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ تِبْنٍ.  الأَظْهَرُ فِي بِئْرِ الْبَادِيَةِ بِهِمَا الْجَوَاز
 تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِـ "وَرَقِ الشَّجَرِ" أَوِ "التِّبْنِ" الَّذِي سَقَطَ فِيهِ، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ "يَضُرُّ" وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ عَنِ المَاءِ، لِأَنَّ هَذِهِ المَوَادَّ تُعَدُّ "مِمَّا يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً". وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "الْمُلَازَمَةِ" وَ "الضَّرُورَةِ"
يَرَى الفُقَهَاءُ أَنَّ وَرَقَ الشَّجَرِ وَالتِّبْنَ لَيْسَا مِنْ مَقَرِّ المَاءِ (كالتُّرَابِ وَالمِلْحِ) وَلَا مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ (كالطُّحْلُبِ)، بَلْ هِيَ أَجْسَامٌ أَجْنَبِيَّةٌ عَنِ المَاءِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ يُمْكِنُ صَوْنُ البِئْرِ بِتَغْطِيَتِهَا أَوْ تَنْظِيفِهَا، فَإِنَّ التَّغَيُّرَ النَّاتِجَ عَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ يَلْحَقُ بِجِنْسِ "الطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ" الَّذِي يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَ أَحَدَ الأَوْصَافِ بَيَانًا، لِانْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ لِلْعَفْوِ.
ثَانِيًا: الخُرُوجُ عَنِ اسْمِ "الْمَاءِ الْمُطْلَقِ"
إِذَا تَغَيَّرَ مَاءُ البِئْرِ بِوَرَقِ الشَّجَرِ حَتَّى صَارَ لَهُ طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ ظَاهِرٌ، فَقَدْ صَارَ يُسَمَّى "مَاءَ شَجَرٍ" أَوْ "نُقَاعَةَ وَرَقٍ"، وَهُوَ خُرُوجٌ عَنْ "الإِطْلَاقِ" الَّذِي اشْتَرَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ×  كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالمَاءِ الَّذِي بَقِيَ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ، وَالمَاءُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ أَجْزَاءُ الشَّجَرِ لَمْ يَعُدْ مَاءً خَالِصاً.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى مَا طُبِخَ فِيهِ طَاهِرٌ
قِيسَ سُقُوطُ الوَرَقِ وَالتِّبْنِ فِي المَاءِ عَلَى "طَبْخِ" الطَّاهِرَاتِ فِيهِ؛ فَكَمَا أَنَّ طَبْخَ البُقُولِ أَوِ الأَعْشَابِ فِي المَاءِ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَهُ، فَكَذَلِكَ "نَقْعُهَا" فِيهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ) يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ مَا دَامَ التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنْ مَادَّةٍ تَنْفَكُّ عَنِ المَاءِ غَالِباً.
نَبَّهَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هُنَا إِلَى أَنَّ الحُكْمَ بِالسَّلْبِ يَكُونُ إِذَا كَانَ الوَرَقُ نَاتِجاً عَنْ شَجَرٍ "بَعِيدٍ" عَنِ البِئْرِ أَوْ نُقِلَ إِلَيْهَا قَصْداً. أَمَّا إِذَا كَانَ الشَّجَرُ مُطِلًّا عَلَى البِئْرِ وَيَسْقُطُ وَرَقُهُ فِيهَا بِاسْتِمْرَارٍ بِحَيْثُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَقَدْ صَحَّحَ بَعْضُ المَالِكِيَّةِ (مِثْلَ اللَّخْمِيِّ) أَنَّهُ لَا يَضُرُّ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنَّ المَشْهُورَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ المُصَنِّفُ هُوَ السَّلْبُ لِقُوَّةِ "الأَجْنَبِيَّةِ" فِيهِ.

 تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى اسْتِثْنَاءٍ لِقَاعِدَةِ السَّلْبِ السَّابِقَةِ، حَيْثُ نَقَلَ "الظُّهُورَ" (أَيِ القَوْلَ الأَظْهَرَ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ) بِأَنَّ مَاءَ البِئْرِ فِي البَادِيَةِ إِذَا تَغَيَّرَ بِوَرَقِ الشَّجَرِ أَوِ التِّبْنِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى طَهُوراً وَيَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا "الأَظْهَرِ" يَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلاً: قَاعِدَةُ "عُمُومِ البَلْوَى" وَ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
آبَارُ البَادِيَةِ غَالِبًا مَا تَكُونُ فِي مَكْشُوفَةً وَتُحِيطُ بِهَا الأَشْجَارُ، وَتَهُبُّ عَلَيْهَا الرِّيَاحُ بِالتِّبْنِ وَالوَرَقِ، فَيَشُقُّ جِدًّا عَلَى أَهْلِ البَادِيَةِ صَوْنُ هَذِهِ الآبَارِ عَنْ ذَلِكَ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ "المَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ"، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّيْسِيرِ فِي العِبَادَةِ فَقَالَ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. فَلَمَّا تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْ هَذِهِ المُغَيِّرَاتِ فِي تِلْكَ البِيئَةِ، أُلْحِقَتْ بِـ "مَا فِي مَقَرِّ المَاءِ" مِمَّا لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ النَّبِيِّ ×  لِأَهْلِ البَوَادِي
كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ×  يَرْتَادُونَ مِيَاهَ البَوَادِي وَالفَلَوَاتِ، وَهِيَ مِيَاهٌ مُتَغَيِّرَةٌ حَتْمًا بِأَوْرَاقِ السَّلَمِ وَالسِّدْرِ وَمَا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِتَرْكِهَا وَالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِهَا.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ السُّكُوتَ النَّبَوِيَّ ×  عَنِ النَّهْيِ عَنْ هَذِهِ المِيَاهِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَغَيُّرِهَا غَالِبًا، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِلْحَاجَةِ.
ثَالِثًا: الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا
المُرَادُ بِـ "الأَظْهَرِ" هُنَا أَنَّ قُوَّةَ حُجَّةِ القَائِلِ بِالجَوَازِ نَابِعَةٌ مِنْ فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ العِبَادَاتِ؛ فَلَوْ حَكَمْنَا بِالسَّلْبِ فِي آبَارِ البَادِيَةِ لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى ضَيَاعِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ وَإِلْجَاءِ النَّاسِ إِلَى التَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ المَاءِ، وَهُوَ خِلَافُ الأَصْلِ.
اسْتَعْمَلَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لَفْظَ "الأَظْهَرُ" لِيُشِيرَ إِلَى تَرْجِيحِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ مِنْ كِبَارِ المُحَقِّقِينَ لِهَذَا القَوْلِ، رَغْمَ أَنَّ "المَشْهُورَ" السَّابِقَ كَانَ التَّعْمِيمُ فِي السَّلْبِ. وَقَدْ شَرَحْتَ أَنْتَ فِي مَفَاتِيحِكَ أَنَّ مَدَارَ الخِلَافِ هُنَا هُوَ: هَلْ يُعْتَبَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ "أَجْنَبِيّاً" مُطْلَقاً أَمْ "مُلَازِماً" لِبَعْضِ المِيَاهِ؟ فَالظُّهُورُ كَانَ لِجَانِبِ المُلَازَمَةِ فِي البَادِيَةِ.

أثر التغيّر البيّن بحبل البئر وروث الماشية في أحكام الماء

 ويَضُرُّ بَيِّنُ تَغَيُّرٍ بِحَبْلِ سَانِيَةٍ  كَغَدِيرٍ بِرَوْثِ مَاشِيَةٍ

[1]  تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا ظَهَرَ فِيهِ "تَغَيُّرٌ بَيِّنٌ" (أَيْ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ) فِي طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِسَبَبِ "حَبْلِ السَّانِيَةِ" (وَهُوَ الحَبْلُ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ المَاءُ مِنَ البِئْرِ بِيَدِ الإِنْسَانِ أَوْ بِالدَّابَّةِ)، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ "يَضُرُّ" وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
وَمَنْشَأُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ المَالِكِيَّةِ يَعُودُ إِلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
يَرَى الفُقَهَاءُ أَنَّ حَبْلَ السَّانِيَةِ لَيْسَ جُزْءاً مِنْ مَقَرِّ المَاءِ (الأَرْضِ) وَلَا مِنْ مَمَرِّهِ الطَّبِيعِيِّ، بَلْ هُوَ "آلَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ" أَدْخَلَهَا الإِنْسَانُ عَلَى المَاءِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ الحَبْلُ مِمَّا يُمْكِنُ صَوْنُهُ أَوْ تَبْدِيلُهُ أَوْ تَنْظِيفُهُ حَتَّى لَا يُغَيِّرَ المَاءَ، فَإِنَّ التَّغَيُّرَ النَّاتِجَ عَنْهُ لَا يُلْحَقُ بِمَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ، فَرَجَعَ إِلَى الأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالطَّاهِرِ الأَجْنَبِيِّ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
ثَانِيًا: الخُرُوجُ عَنِ الِاسْمِ (الإِطْلَاقِ)
إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ "بَيِّناً" كَمَا قَيَّدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ، فَقَدْ صَارَ المَاءُ مُقَيَّداً بِهَذِهِ الرَّائِحَةِ (رَائِحَةِ لِيفِ الحَبْلِ أَوْ كَتَّانِهِ)، وَالقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ المَبْنِيَّةُ عَلَى الآيَةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ تَقْتَضِي أَنَّ المَاءَ إِذَا خَرَجَ عَنْ إِطْلَاقِ اسْمِهِ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ بِمَادَّةٍ طَاهِرَةٍ، سَقَطَتْ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّطْهِيرِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ المُطْعَمَاتِ
قِيسَ حَبْلُ السَّانِيَةِ عَلَى مَا يُوضَعُ فِي المَاءِ لِإِصْلَاحِهِ أَوْ تَطْيِيبِهِ (مِثْلَ المُصْطَكَى لِغَيْرِ المُسَافِرِ)؛ فَمَا دَامَ الحَبْلُ يُورِثُ المَاءَ طَعْماً أَوْ رِيحاً بَيِّناً بِحَيْثُ يُفَارِقُهُ غَالِباً، فَإِنَّ العِبْرَةَ بِحَالِ المَاءِ الَّذِي انْتَقَلَ مِنْ صِفَةِ "الطَّهُورِ" إِلَى "الطَّاهِرِ".
قَيَّدَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ الحُكْمَ بِـ "بَيِّنٍ" لِيُخْرِجَ التَّغَيُّرَ الخَفِيفَ الَّذِي لَا يَكَادُ يُدْرَكُ، فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. كَمَا أَنَّ هَذَا الحُكْمَ يَتَأَكَّدُ إِذَا كَانَ الحَبْلُ نَجِساً (مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَصْنُوعاً مِنْ شَعْرِ خِنْزِيرٍ أَوْ جِلْدِ مَيْتَةٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ)، فَهَنَا يَضُرُّ التَّغَيُّرُ قَوْلاً وَاحِداً لِأَنَّ المَاءَ يَصِيرُ نَجِساً، وَقَدْ جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِعْمَالِ مِيَاهِ الآبَارِ بِالحِبَالِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي لَا تُغَيِّرُ المَاءَ تَغَيُّراً بَيِّناً.

[2]  تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ نَاتِجَةٍ عَنْ "رَوْثِ المَاشِيَةِ" (كالإِبِلِ وَالغَنَمِ وَالبَقَرِ) الَّتِي تَرِدُ المَاءَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِساً إِذَا كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ بَيِّناً، لِأَنَّ هَذَا الرَّوْثَ "يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً" وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ مَقَرِّهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى الأُصُولِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: الإِجْمَاعُ عَلَى التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ
أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ (طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ) بِنَجَاسَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَجِساً.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا غَلَبَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى المَاءِ حَتَّى غَيَّرَتْ صِفَتَهُ، صَارَ الحُكْمُ لِلْغَالِبِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ×  أَنَّهُ بَيَّنَ طَهُورِيَّةَ المَاءِ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، كَمَا فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ.
ثَانِيًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ"
قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ رَوْثَ المَاشِيَةِ فِي الغُدْرَانِ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، لَكِنَّ المَذْهَبَ المَالِكِيَّ (وَهُوَ مَا اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هُنَا) يَرَى أَنَّ الرَّوْثَ أَجْنَبِيٌّ عَنِ المَاءِ وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ كَالتُّرَابِ وَالمِلْحِ.
التَّعْلِيلُ: المَاءُ الَّذِي تَغَيَّرَ بِالرَّوْثِ صَارَ مَاءً "مُتَنَجِّساً" لِأَنَّ الفَصْلَ بَيْنَ الرَّوْثِ وَالمَاءِ مُمْكِنٌ عَقْلًا وَعَادَةً، بِخِلَافِ مَا نَشَأَ فِي المَاءِ كَالطُّحْلُبِ، فَلَمَّا انْتَفَتِ الضَّرُورَةُ عَمِلَتِ القَاعِدَةُ الأَصْلِيَّةُ فِي السَّلْبِ وَالنَّجَاسَةِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ
لَا فَرْقَ عِنْدَ جُمْهُورِ المَالِكِيَّةِ بَيْنَ نَجَاسَةٍ وَأُخْرَى إِذَا غَيَّرَتِ المَاءَ؛ فَكَمَا أَنَّ وُقُوعَ البَوْلِ المُغَيِّرِ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ، فَكَذَلِكَ الرَّوْثُ، لِأَنَّ كِلَاهُمَا نَجِسٌ (عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى نَجَاسَةَ رَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، أَوْ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَاطِهِ بِمَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَمَا هُوَ الغَالِبُ فِي المَوَاشِي الَّتِي تَرِدُ الغُدْرَانَ).
نَبَّهَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِهَذَا المِثَالِ عَلَى دِقَّةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "مَا يُعْفَى عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ" (كَأَثَرِ الطِّينِ) وَبَيْنَ "مَا لَا يُعْفَى عَنْهُ" (كَالرَّوْثِ)، لِأَنَّ الرَّوْثَ يُفَارِقُ المَاءَ غَالِباً. وَمَعَ ذَلِكَ، ذَكَرَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهُ إِذَا عَمَّتْ بِهِ البَلْوَى جِدّاً فِي البَوَادِي بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي بَابِ الضَّرُورَاتِ، لَكِنَّ الأَصْلَ فِي المَذْهَبِ هُوَ مَا ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ مِنَ السَّلْبِ.

سندي إلى الشيخ خليل ومنه للإمام مالك

  سندي إلى الشيخ خليل ومنه للإمام مالك

 أَرْوِيهِ عَنِ الشَّيْخِ حُسَيْنِ بْنِ عَمَّارٍ الرِّفَاعِيِّ الدِّمَشْقِيِّ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ جَمِيلِ أَحْمَدَ النُّوحِيِّ، عَنْ شَيْخِ الإِسْلَامِ حُسَيْنِ أَحْمَدَ المَدَنِيِّ، عَنِ السَّيِّدِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البَرْزَنْجِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ نُوحٍ العُمَرِيِّ الفُلَانِيِّ، قَالَ: قَرَأْتُ جَمِيعَهُ تَفَقُّهاً وَتَحْقِيقاً لِمَقَاصِدِهِ مَفْهُوماً وَمَنْطُوقاً عَلَى الشَّيْخَيْنِ العَلَمَيْنِ مَوْلَايَ الشَّرِيفِ أَبِي القَاسِمِ وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ سُنَّةَ مَعَ مُرَاجَعَةِ غَالِبِ شُرُوحِهِ كَشَرْحِ الأُجْهُورِيِّ الوَسَطِ وَالسَّنْهُورِيِّ وَالحَطَّابِ وَعَبْدِ البَاقِي وَشَرْحِ الخَرَشِيِّ وَشَرْحِ التَّتَائِيِّ وَشُرُوحِ بَهْرَامَ الثَّلَاثَةِ وَشَرْحِ الخُضَيْرِيِّ وَالسُّودَانِيِّ وَالوَدَّانِيِّ وَأَحْمَدَ بَابَا وَشَرْحَيِ المَوَّاقِ وَشُرُوحِ اللَّقَانِيَّيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوحِ وَالحَوَاشِي بِسَنَدِهِمَا المُتَقَدِّمِ فِي تَهْذِيبِ البَرَاذِعِيِّ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّنْهُورِيِّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى هُنَا مُسَلْسَلاً بِقِرَاءَةِ تَحْقِيقٍ وَتَدْقِيقٍ عَنْ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ ابْنِ أَحْمَدَ البِسَاطِيِّ وَكَذَلِكَ عَنْ تَاجِ الدِّينِ بَهْرَامَ كَذَلِكَ عَنْ مُؤَلِّفِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: العَلَّامَةِ الشيخِ خليلِ بْنِ إِسْحَاقَ الجُنْدِيِّ. 


قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الفُلَانِيُّ الشَّنْقِيطِيُّ العُمَرِيُّ: وَأَرْوِي عَنْ شَيْخِنَا مُحَمَّدِ بْنِ سُنَّةَ الفُلَانِيِّ العُمَرِيِّ ثُمَّ البَاغْنِيِّ، عَنِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بَغَيَّعَ، عَنِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بَابَا التُّنْبُكْتِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الحَطَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي القَاسِمِ النُّوَيْرِيِّ المَالِكِيِّ المَكِّيِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَبْعٍ البُوصِيرِيِّ المَالِكِيِّ، عَنْ تَاجِ الدِّينِ بَهْرَامَ، عَنْ مُؤَلِّفِهِ الشيخِ خليلِ المَالِكِيِّ المَنُوفِيِّ.


وَبِهَذَا السَّنَدِ أَرْوِي جَمِيعَ مُؤَلَّفَاتِهِ كَالتَّوْضِيحِ وَالمَنَاسِكِ وَمَنَاقِبِ عَبْدِ اللَّهِ المَنُوفِيِّ وَحَاشِيَتِهِ عَلَى المُدَوَّنَةِ.


ثُمَّ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ وَلِيُّ اللَّهِ تَعَالَى خَلِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ صَاحِبُ المُخْتَصَرِ أَخَذَ الفِقْهَ عَنِ الشَّيْخِ العَالِمِ العَامِلِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ المَنُوفِيِّ، وَهُوَ أَخَذَ الفِقْهَ عَنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: شَيْخُ المَالِكِيَّةِ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّهِيرُ بِالقَوْبَعِ، وَهُوَ أَخَذَ الفِقْهَ عَنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: الشَّيْخُ يَحْيَى بْنُ الفَرَجِ بْنِ زَيْتُونٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَاضِي تُونُسَ، وَأَخَذَ عَنِ ابْنِ حُبَيْشٍ وَابْنِ الدَّارِسِ، وَأَخَذَ القَاضِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَلْدُونَ عَنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: قَاضِي الجَمَاعَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَأَخَذَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ جَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، الَّذِي أَخَذَ عَنْ أَبِي القَاسِمِ أَحْمَدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَقِيٍّ، وَأَخَذَ ابْنُ بَقِيٍّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الحَقِّ، وَأَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ فَرَجٍ مَوْلَى ابْنِ الطَّلَّاعِ، وَأَخَذَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ الطَّلَّاعِ وَالقَاضِي أَبُو الوَلِيدِ البَاجِيُّ عَنْ أَبِي طَالِبٍ مَكِّيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُخْتَارٍ القَيْسِيِّ، وَتَفَقَّهَ مَكِّيٌّ بِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: الشَّيْخُ الإِمَامُ القُدْوَةُ الوَرَعُ جَامِعُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَشَارِحُ أَقْوَالِهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ القَيْرَوَانِيُّ، وَهُوَ تَفَقَّهَ بِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: الإِمَامُ القُدْوَةُ الزَّاهِدُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّبَّابِ، وَهُوَ تَفَقَّهَ بِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ: الإِمَامُ القُدْوَةُ الزَّاهِدُ مُجَابُ الدَّعْوَةِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ البَلَوِيُّ الإِفْرِيقِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ "اخْتِلَافِ ابْنِ القَاسِمِ وَأَشْهَبَ"، وَهُوَ تَفَقَّهَ بِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمُ الإِمَامَانِ: الحُجَّةُ الزَّاهِدُ أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ السَّلَامِ المَدْعُوُّ بِسَحْنُونٍ، وَالعَلَّامَةُ القُدْوَةُ أَبُو مَرْوَانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، وَهُمَا تَفَقَّهَا بِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمُ الإِمَامَانِ: الفَقِيهُ القُدْوَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ بْنِ خَالِدٍ العُتَقِيُّ، وَالعَلَّامَةُ الزَّاهِدُ أَبُو عُمَرَ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وَاسْمُهُ مِسْكِينٌ، وَهُمَا تَفَقَّهَا بِالإِمَامِ المُجْتَهِدِ إِمَامِ دَارِ الهِجْرَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ المَدَنِيِّ، وَهُوَ تَفَقَّهَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ: رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَنَافِعٌ، وَتَفَقَّهَ رَبِيعَةُ عَلَى أَنَسٍ وَتَفَقَّهَ نَافِعٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ، وَكِلَاهُمَا مِمَّنْ أَخَذَ عَنْ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَإِمَامِ المُتَّقِينَ أَبِي القَاسِمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى سَائِرِ النَّبِيِّينَ.

وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.


اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، إِنَّكَ أَنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ. اللَّهُمَّ افْتَحْ لَنَا مِنْ خَزَائِنِ عِلْمِكَ مَا يُجَلِّي لَنَا طَرِيقَ الحَقِّ وَسَبِيلَ المُؤْمِنِينَ.

اللَّهُمَّ يَا فَتَّاحُ يَا عَلِيمُ، افْتَحْ لَنَا أَقْفَالَ القُلُوبِ، وَيَسِّرْ لَنَا فَهْمَ مَكْنُونِ المَنْقُولِ وَالمَعْقُولِ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ حَرَّرَ المَسَائِلَ عَلَى مَهْيَعِ الدَّلِيلِ، وَسَلَكَ فِيهَا مَسْلَكَ الشيخِ خليلٍ فِي التَّدْقِيقِ وَالتَّبْجِيلِ.

اللَّهُمَّ أَوْرِدْنَا مَوَارِدَ الصَّادِقِينَ، وَاجْعَلْ عِلْمَنَا حُجَّةً لَنَا لَا عَلَيْنَا، وَارْزُقْنَا بَرَكَةَ هَذَا السَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَى سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَاجْعَلْ سَعْيَنَا فِي تَصْفِيَةِ هَذَا المَتْنِ خَالِصاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ، نَقِيّاً مِنَ الرِّيَاءِ وَالتَّعْقِيدِ، مُوصِلاً إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ.


وحكمه كمغيره

  قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ: (أَوْ بُخَارِ مُصْطَكَى، وحُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ)
وَتَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ: بِحُكْمِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الَّذِي بَخَّرَتِ الْمُصْطَكَى إِنَاءَهُ، وَحُكْمِ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِمُخَالِطِهِ الطَّاهِرِ أَوِ النَّجِسِ مَآلًا.
وَمَعْنَاهَا: أَنَّ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ إِذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِسَبَبِ بُخَارِ مَادَّةِ "الْمُصْطَكَى" الصَّمْغِيَّةِ الْعِطْرِيَّةِ الَّتِي تُطَيَّبُ بِهَا الْأَوَانِي، فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا كَانَ لِذَلِكَ الْبُخَارِ جِرْمٌ يَنْفَصِلُ وَيُخَالِطُ الْمَاءَ، وَتَصِيرُ صِفَتُهُ جَارِيَةً عَلَى حُكْمِ مَا غَيَّرَهُ، فَإِنْ غَيَّرَهُ نَجِسٌ فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِنْ غَيَّرَهُ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ.
وَمِثَالُهَا: أَنْ يَعْمِدَ الشَّخْصُ إِلَى إِنَاءٍ فَيَجْعَلَ فِيهِ دُخَانَ الْمُصْطَكَى حَتَّى يَعْلَقَ بِجُدْرَانِهِ، ثُمَّ يَصُبَّ فِيهِ الْمَاءَ فَيَتَغَيَّرَ رِيحُ الْمَاءِ بِذَلِكَ الْبُخَارِ تَغَيُّراً بَيِّناً.
أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ نَوَازِلُ:
مِثَالُ 1: تَعْقِيمُ خَزَّانَاتِ الْمِيَاهِ الْحَدِيثَةِ بِبُخَارٍ كِيمْيَاوِيٍّ مُعَطَّرٍ نَفَّاذٍ، أَوْ تَبْخِيرُ قَنَاوَاتِ الْمِيَاهِ بِأَبْخِرَةٍ عِطْرِيَّةٍ لِتَحْسِينِ الرَّائِحَةِ، فَيَنْفَصِلُ جِرْمُ الْبُخَارِ وَيَنْحَلُّ فِي الْمَاءِ حَتَّى تَتَغَيَّرَ رَائِحَتُهُ صَنْعَةً.
مِثَالُ 2: اسْتِخْدَامُ أَجْهِزَةِ التَّبْخِيرِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي تَضُخُّ رَذَاذَ الطِّيبِ دَاخَلَ أَنَابِيبِ الْمِيَاهِ، فَيُخَالِطُ الرَّذَاذُ الْمَاءَ وَيُغَيِّرُ صِفَتَهُ الطَّبِيعِيَّةَ.
النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ: يَقُومُ النَّظَرُ عَلَى أَنَّ الْبُخَارَ الصَّاعِدَ مِنَ الْأَجْسَامِ الْعِطْرِيَّةِ لَهُ جِرْمٌ دَقِيقٌ يَنْفَصِلُ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُخَالِطِ لَا الْمُجَاوِرِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنْ صَنْعَةِ آدَمِيٍّ مَقْصُودَةٍ تَرَفُّهاً لَا ضَرُورَةَ فِيهَا، صَارَ السَّلْبُ فِيهِ مُتَعَيِّناً لِانْتِفَاءِ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ: تَدُورُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَنَاطِ "الْمُخَالَطَةِ لَا الْمُجَاوَرَةِ" بِتَحَقُّقِ انْفِصَالِ الْجِرْمِ، وَمَنَاطِ "صَنْعَةِ الْآدَمِيِّ الْمَقْصُودَةِ" الَّتِي تُخْرِجُ الْمَاءَ عَنِ الْإِطْلَاقِ بِلَا ضَرُورَةٍ.

الْأَدِلَّةُ مِنْ:
1. الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّطَهُُّرِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَهَذَا الْمَاءُ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ رَائِحَةُ الْبُخَارِ الْمَقْصُودِ خَرَجَ عَنِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ إِلَى الْمَاءِ الْمُقَيَّدِ بِصِفَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ الشَّرْعِيُّ.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ×: (إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَه: (إِلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ).
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الْقَيْدَ فِي الْحَدِيثِ دَلَّ بِالْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ غَلَبَةَ غَيْرِ الْمَاءِ عَلَى أَوْصَافِهِ تُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الطَّهُورِيَّةِ، فَيَكُونُ الْمَاءُ تَابِعاً لِلْمُغَيِّرِ فِي حُكْمِهِ.
3. قِيَاسِ الْعِلَّةِ: وَذَلِكَ بِقِيَاسِ بُخَارِ الْمُصْطَكَى الَّذِي انْفَصَلَ جِرْمُهُ عَلَى زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْدٍ خَالَطَ الْمَاءَ؛ وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ هِيَ: حُصُولُ التَّغَيُّيرِ الْبَيِّنِ بِمَا لَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْمَاءِ وَلَا مِنْ مَقَرِّهِ بِفِعْلٍ مَقْصُودٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
4. قَاعِدَةِ نَفْيِ الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ: وَذَلِكَ بِأَنَّ مَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ يُعْفَى عَنْهُ، وَمَا لَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ كَتَبْخِيرِ الْأَوَانِي تَرَفُّهاً فَإِنَّ التَّغَيُّرَ بِهِ يَضُرُّ وَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ.
الْفَوَائِدُ:
النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ: الْإِتْيَانُ بِحَرْفِ الْعَطْفِ "أَوْ" فِي قَوْلِهِ "أَوْ بُخَارِ مُصْطَكَى" يُفِيدُ التَّسْوِيَةَ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ. وَأَمَّا لَفْظُ "عَلَى مَشْهُورِ" فَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَصْدِيرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ لِلْخِلَافِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ النَّاشِئَةِ عَنِ التَّقْيِيدِ بِالْجِرْمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ خَلِيلٍ الْمُسْتَفَادُ مِنَ التَّصَدُّرِ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِي مَفَاتِيحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ.
النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ: فِي قَوْلِهِ "حُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ" تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ بِحَذْفِ وَجْهِ الشَّبَهِ، حَيْثُ أُلْحِقَ التَّابِعُ بِالْمَتْبُوعِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ لِإِيجَازِ اللَّفْظِ وَتَفْخِيمِ الْمَعْنَى.
النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ: قَوْلُهُ "بُخَارِ" مَجْرُورٌ بِالْإِضَافَةِ عَطْفاً عَلَى مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الْمُغَيِّرَاتِ، وَ"مُصْطَكَى" مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ بِكَسْرَةٍ مُقَدَّرَةٍ عَلَى الْأَلِفِ مَنَعَ مِنْ ظُهُورِهَا التَّعَذُّرُ لِأَنَّهُ اسْمٌ مَقْصُورٌ.
التَّخْرِيجُ عَلَى الْأُصُولِ الْمَالِكِيَّةِ: وَيُحْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى:
1. الْأَصْلِ (دَلِيلُ الْكِتَابِ - مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ): مِنَ الْأُصُولِ السِّتَّةِ عَشَرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَلِكَ بِأَنَّ مَفْهُومَ اشْتِرَاطِ وَصْفِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فِي الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَقَيَّدَ بِإِضَافَةٍ لَمْ يَعُدْ مُجْزِئاً.
2. الْأَصْلِ (تَنْبِيهُ السُّنَّةِ - التَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ): وَذَلِكَ بِأَنَّ التَّنْبِيهَ عَلَى عِلَّةِ الْغَلَبَةِ فِي الْحَدِيثِ يُوجِبُ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْغَالِبِ.
3. الْأَصْلِ (الْحُكْمُ بِسَدِّ الذَّرَائِعِ): وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّسَامُحَ فِي التَّغَيُّرِ الْمَقْصُودِ تَرَفُّهاً يُفْضِي إِلَى زَوَالِ صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ عَنِ الْمِيَاهِ بِالْمُشْتَهَيَاتِ.

الِاحْتِرَازَاتُ اللَّفْظِيَّةُ لِلْقُيُودِ خَلِيلِيّاً:
احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ "بُخَارِ مُصْطَكَى" عَمَّا إِذَا كَانَ التَّغَيُّرُ بِمُجَرَّدِ الْمُجَاوَرَةِ لِلرَّائِحَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْبُخَارِ جِرْمٌ يَنْفَصِلُ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ "حُكْمُهُ كَمُغَيِّرِهِ" عَنِ الْمُغَيِّرِ الَّذِي لَا يُسَاوِي الْمَاءَ فِي حُكْمِهِ كَالْمُغَيِّرِ بِالْمُوَافِقِ فِي الصِّفَاتِ حَيْثُ يُقَدَّرُ تَقْدِيراً.

تَوْجِيهُ أَلْفَاظِ الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ (تَحْرِيرُ الْفَرْقِ):
يُفَرَّقُ فِي الْفَتْوَى بَيْنَ "بُخَارِ الْمُصْطَكَى" لِلتَّطْيِيبِ، وَبَيْنَ "رِيحِ الْقَطِرَانِ" فِي أَوَانِي الْمُسَافِرِينَ؛ فَالْأَوَّلُ تَرَفُّهٌ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَيَضُرُّ، وَالثَّانِي ضَرُورَةٌ لِإِصْلَاحِ الْأَوْعِيَةِ وَصِيَانَةِ الْمَاءِ فَلَا يَضُرُّ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مَنَاطُهُ الْمَشَقَّةُ وَعُسْرُ الِاحْتِرَازِ.

تَوَارُدُ الْمَنَاطَاتِ فِي الْعُقُودِ الْمُرَكَّبَةِ:
لَا يَتَحَقَّقُ تَوَارُدُ الْمَنَاطَاتِ هُنَا لِكَوْنِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ وَالْأَعْيَانِ لَا مِنْ بَابِ الْعُقُودِ، لَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى تَرَاكُبِ مَنَاطِ "الْمُخَالَطَةِ" مَعَ مَنَاطِ "الصَّنْعَةِ"، حَيْثُ يُؤَدِّي اجْتِمَاعُهُمَا إِلَى غَلَبَةِ الْوَصْفِ الْأَجْنَبِيِّ.

التحليل بالدلالات والمفاهيم
1. مَفْهُومُ الصِّفَةِ: وَذَلِكَ فِي تَقْيِيدِ الْمَاءِ بِوَصْفِ "الْمُطْلَقِ"، فَمَفْهُومُ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا صَارَ "مُبَخَّراً" فَقَدَ حُكْمَ التَّطْهِيرِ.
2. دَلَالَةُ التَّنْبِيهِ: وَذَلِكَ بِأَنَّ ذِكْرَ الْمُغَيِّرِ يَتَضَمَّنُ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ السَّلْبِ هِيَ انْتِقَالُ مَاهِيَّةِ الْمَاءِ إِلَى مَاهِيَّةِ ذَلِكَ الْمُخَالِطِ.

التحليل بأدوات علم المنطق:
قَضِيَّةُ الْمَسْأَلَةِ: كُلِّيَّةٌ مُوجَبَةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا تَحْكُمُ بِالْإِيجَابِ عَلَى كُلِّ مَاءٍ تَغَيَّرَ بِبُخَارٍ ذِي جِرْمٍ أَنَّهُ سَالِبٌ لِلطَّهُورِيَّةِ.
وَمَوْضُوعُهَا: (الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِبُخَارِ الْمُصْطَكَى الَّذِي لَهُ جِرْمٌ) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَمَحْمُولُهَا: (سَالِبٌ لِلطَّهُورِيَّةِ جَارٍ عَلَى حُكْمِ مُغَيِّرِهِ) وَالنِّسْبَةُ إِثْبَاتُ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ.

الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ: (كُلَّمَا كَانَ لِلْبُخَارِ جِرْمٌ مُخَالِطٌ كَانَ التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنِ الْمُخَالِطِ، وَكُلَّمَا كَانَ التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنِ الْمُخَالِطِ فَالْمَاءُ سَالِبٌ لِلطَّهُورِيَّةِ) وَذَلِكَ يُنْتِجُ: كُلَّمَا كَانَ لِلْبُخَارِ جِرْمٌ مُخَالِطٌ فَالْمَاءُ سَالِبٌ لِلطَّهُورِيَّةِ.

الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْمُنْفَصِلُ: (إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالْبُخَارِ نَاشِئاً عَنْ جِرْمٍ مُنْفَصِلٍ أَوْ عَنْ مُجَرَّدِ رِيِحٍ مُجَاوِرٍ) وَذَلِكَ لِتَقْسِيمِ أَحْوَالِ التَّغَيُّرِ لِتَمْيِيزِ مَا يَضُرُّ مِمَّا لَا يَضُرُّ.

الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ: (لَوْ كَانَ الْبُخَارُ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ لَكَانَ مَعْفُوّاً عَنْهُ، لَكِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ) وَذَلِكَ يُنْتِجُ: أَنَّهُ لَيْسَ مَعْفُوّاً عَنْهُ.

الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ: (إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ بَاقِياً عَلَى إِطْلَاقِهِ أَوْ خَارِجاً عَنْهُ، لَكِنَّهُ خَرَجَ عَنْ إِطْلَاقِهِ بِتَغَيُّرِهِ بِالْمُصْطَكَى) وَذَلِكَ يُنْتِجُ: أَنَّهُ لَيْسَ بَاقِياً عَلَى إِطْلَاقِهِ.

ثَالِثاً: الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ (إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ): (بُخَارُ الْمُصْطَكَى (فَرْعٌ) بِـ الزَّعْفَرَانِ (أَصْلٌ)) وَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ التَّغَيُّرِ بِمَادَّةٍ طَاهِرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ مَقْصُودَةٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا.

وَمِنَ الْمُغَالِطَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ: مُغَالَطَةُ (الْمَعْذِرَةِ الزَّائِفَةِ أَوِ الْمُعْضِلَةِ الزَّائِفَةِ) وَذَلِكَ بِادِّعَاءِ أَنَّ الْمَاءَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقاً طَهُوراً أَوْ نَجِساً خَبِيثاً، مُتَجَاهِلِينَ قِسْمَ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي نَفْسِهِ غَيْرِ الْمُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ الَّذِي تَنْدَرِجُ تَحْتَهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.

بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذهِبِ:
1. الْمُعْتَمَدُ: أَنَّ بُخَارَ الْمُصْطَكَى إِذَا كَانَ لَهُ جِرْمٌ يَنْفَصِلُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ، وَأَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ مَا غَيَّرَهُ، وَقَالَ بِهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ وَجَمَاعَةُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ.
2. الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ: قَوْلُ الْأَقَلِّ إِنَّ الْبُخَارَ مُجَرَّدُ رَائِحَةٍ مُجَاوِرَةٍ فَلَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ بِحَالٍ، وَقِيلَ إِنَّ التَّغَيُّرَ بِالطَّاهِرِ لَا يَسْلُبُ الْعِبَادَةَ.

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ: الْمُعْتَمَدُ هُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّيْخُ خَلِيلٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ التَّرْجِيحِ، لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَقْضِي بِاعْتِبَارِ انْفِصَالِ الْأَجْزَاءِ الدَّقِيقَةِ مُخَالِطَةً تَمْنَعُ الِاسْمَ.

الْتَّرْجِيحُ حَسَبَ الدَّلِيلِ الْأُصُولِيِّ:
بَيَانُ مَدْرَكِ الْمُعْتَمَدِ أَوَّلًا وَنَصْرُهُ أُصُولِيّاً: نَبْدَأُ بِتَوْجِيهِ الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا الْمُعْتَمَدُ، وَهِيَ أَنَّ الْأَحْكَامَ مَنُوطَةٌ بِالْحَقَائِقِ وَالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمَاهِيَّةُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ تَنْتَفِي بِغَلَبَةِ الْأَجْزَاءِ الْأَجْنَبِيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنِ الْبُخَارِ، فَيَكُونُ نَصْرُهُ ظَاهِراً لِوُقُوعِ التَّغَيُّرِ بِمَا لَا يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ.
عَرْضُ مَدْرَكِ الْمُقَابِلِ ثُمَّ الرَّدُّ عَلَيْهِ: وَيُرَدُّ عَلَى مَا اسْتُدِلَّ بِهِ لِلْقَوْلِ الْمُقَابِلِ مِنْ أَدِلَّةِ أَنَّ الْبُخَارَ مُجَاوِرٌ لَا مُخَالِطٌ، بِأَنَّ الطَّبِيعَةَ الْفِيزْيَائِيَّةَ لِلْأَبْخِرَةِ الْعِطْرِيَّةِ تُثْبِتُ انْحِلَالَ أَجْزَائِهَا الزَّيْتِيَّةِ فِي الْمَاءِ عِنْدَ الْمُمَاسَّةِ، فَتَكُونُ مُخَالِطَةً حَقِيقَةً لَا مُجَاوِرَةً، لِيَكُونَ الْمُعْتَمَدُ هُوَ الْمَنْصُورَ خَاتِمَةً وَنَظَراً.

سلب طهورية الماء عند تغير أحد أوصافه

  قَالَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ : ( لَا بِمُتَغَيِّرٍ لَوْناً أَوْ طَعْماً أَوْ رِيحاً بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِباً مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ كَدُهْنٍ خَالَطَ )
وَتَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ : بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ فِي سَلْبِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ عِنْدَ تَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ بِمَادَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ تُفَارِقُهُ غَالِباً، سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْمَادَّةُ طَاهِرَةً أَمْ نَجِسَةً، وَحُكْمِ مُمَاثَلَةِ الدُّهْنِ الْمُخَالِطِ فِي إِحْدَاثِ هَذَا السَّلْبِ.
وَمَعْنَاهَا : أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ أَصْلِ مَقَرِّهِ وَلَا مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ غَالِباً، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الطَّهُورِيَّةِ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُغَيِّرُ نَجِساً صَارَ الْمَاءُ نَجِساً إِجْمَاعاً، وَإِنْ كَانَ طَاهِراً كَالزَّعْفَرَانِ أَوِ الصَّابُونِ أَوِ الدُّهْنِ الْمُخَالِطِ الَّذِي يَمْتَزِجُ بِهِ فَيَعْسُرُ تَمْيِيزُهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ طَاهِراً فِي نَفْسِهِ غَيْرَ مُطَهِّرٍ لِغَيْرِهِ، فَلَا يَرْفَعُ حَدَثاً وَلَا يُزِيلُ خَبَثاً لِخُرُوجِهِ عَنِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
وَمِثَالُهَا : أَنْ يَقَعَ زَعْفَرَانٌ أَوْ دُهْنٌ طَاهِرٌ فِي إِنَاءِ مَاءٍ فَيُخَالِطَهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ رِيحُهُ تَغَيُّراً بَيِّناً، فَيَحْكُمُ الْفِقْهُ بِمَنْعِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ لِسَلْبِ وَصْفِ الطَّهُورِيَّةِ عَنْهُ بِالْمُخَالَطَةِ.
أَمْثِلَةٌ مُعَاصِرَةٌ نَوَازِلُ
مِثَالُ 1 : تَدَفُّقُ كِمِّيَّاتٍ مِنْ مَوَادِّ التَّنْظِيفِ الكِيمْيَائِيَّةِ الطَّاهِرَةِ أَوْ مَسَاحِيقِ الصَّابُونِ الْمُعَطَّرَةِ إِلَى خَزَّانِ مَاءٍ مُعَدٍّ لِلِاسْتِخْدَامِ، حَتَّى تَغَيَّرَتْ رَائِحَةُ الْمَاءِ كُلِّيّاً بِرَائِحَةِ هَذِهِ الْمَوَادِّ الْمُفَارِقَةِ لَهُ غَالِباً؛ فَالنِّظَامُ الشَّرْعِيُّ يَمْنَعُ اعْتِبَارَ هَذَا الْمَاءِ طَهُوراً، وَيَسْلُبُهُ صَلَاحِيَّةَ التَّطْهِيرِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْإِطْلَاقِ اللَّفْظِيِّ لِلْمَاءِ.
مِثَالُ 2 : اخْتِلَاطُ زُيُوتٍ صِنَاعِيَّةٍ طَاهِرَةٍ نَافِذَةِ الرَّائِحَةِ بِشَبَكَةِ مِيَاهٍ نَقِيَّةٍ نَتِيجَةَ خَلَلٍ فِي أَنَابِيبِ التَّصْنِيعِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى امْتِزَاجِ جُزْيِئَاتِ الزَّيْتِ بِالْمَاءِ وَتَبَدُّلِ طَعْمِهِ؛ فَالْقَضَاءُ يَحْكُمُ بِأَنَّ هَذَا الْمَاءَ صَارَ طَاهِراً فِي نَفْسِهِ لَا مُطَهِّراً لِغَيْرِهِ طَرْداً لِقَاعِدَةِ الْغَلَبَةِ الْمُخَالِطَةِ.
النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ : يَتَقَرَّرُ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ التَّغَيُّرِ بِالنَّجِسِ فَيُوجِبُ النَّجَاسَةَ إِجْمَاعاً، وَبَيْنَ التَّغَيُّرِ بِالطَّاهِرِ الْمُخَالِطِ فَيُوجِبُ السَّلْبَ دُونَ النَّجَاسَةِ، مَعَ التَّقْيِيدِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُغَيِّرُ مِمَّا يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِباً؛ لِأَنَّ مَا لَا يُفَارِقُهُ كَمِلْحِ سَبَخَةٍ أَوْ طِينِ قَرَارٍ فَلَا يَسْلُبُهُ لِلضَّرُورَةِ، كَمَا يَسْتَقِرُّ النَّظَرُ عَلَى أَنَّ الدُّهْنَ الْمُخَالِطَ يَمْتَزِجُ فَيَسْلُبُ، بِخِلَافِ الْمُجَاوِرِ.
وَمَنَاطَاتُ الْمَسْأَلَةِ : تَرْتَكِزُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى مَنَاطَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: مَنَاطُ "الْخُرُوجِ عَنِ الِاسْمِ الْمُطْلَقِ"، فَإِذَا غَلَبَ الطَّاهِرُ الْمُخَالِطُ عَلَى الْمَاءِ تَقَيَّدَ اسْمُهُ فَلَمْ يَعُدْ مَاءً صِرْفاً. الثَّانِي: مَنَاطُ "انْتِفَاءِ الضَّرُورَةِ"، حَيْثُ أُنِيطَ السَّلْبُ بِالْمَوَادِّ الْأَجْنَبِيَّةِ الَّتِي يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهَا عَبْرَ الْأَوْقَاتِ.
الْأَدِلَّةُ مِنْ :
1. نَصِّ الْكِتَابِ : قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43]
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ جَوَازَ الِانْتِقَالِ إِلَى التَّيَمُّمِ بِعَدَمِ وُجُودِ "الْمَاءِ"، وَالْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِطَاهِرٍ أَبْطَلَ خُلُوصَهُ لَمْ يَعُدْ يُسَمَّى مَاءً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بَلْ مَاءَ دُهْنٍ أَوْ مَاءَ وَرْدٍ، فَلَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ بِالْإِذْنِ فِي التَّطَهُّرِ بِهِ.
2. مَفْهُومِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ : حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ: (إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ)
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ : فَهِمَ الْفُقَهَاءُ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ بَقَاءَ وَصْفِ الطَّهُورِيَّةِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ أَوْصَافِ الْمَاءِ الْأَصْلِيَّةِ، فَإِذَا قَهَرَتِ النَّجَاسَةُ أَوْصَافَهُ وَغَيَّرَتْهَا، زَالَ حُكْمُ الطَّهُورِيَّةِ بِالنَّصِّ الْمَفْهُومِ.
3. قِيَاسِ الْعِلَّةِ : وَذَلِكَ بِقِيَاسِ التَّغَيُّرِ بِالطَّاهِرِ الْمُخَالِطِ عَلَى التَّغَيُّرِ بِالنَّجِسِ، وَالْعِلَّةُ الْجَامِعَةُ هِيَ (زَوَالُ مَاهِيَّةِ الْمَاءِ الْخَالِصِ بِغَلَبَةِ الْأَجْنَبِيِّ الْمُفَارِقِ عَلَى الْأَوْصَافِ)، فَلَمَّا اسْتَوَيَا فِي إِزَالَةِ صِفَةِ الْإِطْلَاقِ، اسْتَوَيَا فِي سَلْبِ أَهْلِيَّةِ التَّطْهِيرِ.
4. قَاعِدَةِ الْغَلَبَةِ : وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْأَجْنَبِيَّةَ إِذَا تَمَكَّنَتْ مِنَ الْمَاءِ بِالِامْتِزَاجِ حَتَّى غَيَّرَتْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ، فَقَدْ حَوَّلَتْ طَبِيعَتَهُ مِنَ الْإِطْلَاقِ إِلَى التَّقْيِيدِ، فَيَنْتَقِلُ الْمَاءُ مِنْ رُتْبَةِ الْمُطَهِّرِ إِلَى رُتْبَةِ الطَّاهِرِ.
الْفَوَائِدُ :
النُّكْتَةُ الْأُصُولِيَّةُ : رَبْطُ حُكْمِ الْعَيْنِ بِمَنَاطِ (الْمُفَارَقَةِ الْغَالِبَةِ)، حَيْثُ جُعِلَ هَذَا الْوَصْفُ مِعْيَاراً تَدُورُ مَعَهُ أَهْلِيَّةُ السَّلْبِ وُجُوداً وَعَدَماً، تَنْبِيهاً عَلَى أَنَّ الْأَوْصَافَ النَّادِرَةَ أَوْ غَيْرَ الْمُنْفَكَّةِ عَنِ الْمَاءِ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْأَحْكَامِ قَضَاءً.
النُّكْتَةُ الْبَلَاغِيَّةُ : اسْتِعْمَالُ (كَافِ التَّشْبِيهِ) فِي قَوْلِهِ (كَدُهْنٍ خَالَطَ)، لِلْإِيجَازِ التَّمْثِيلِيِّ؛ إِذْ لَمَّا كَانَ الدُّهْنُ مَعْرُوفاً بِعُسْرِ امْتِزَاجِهِ، ضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ فِي الْمُخَالَطَةِ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ مِمَّا يَقْبَلُ الِامْتِزَاجَ بِسُهُولَةٍ كَالصَّابُونِ جَارٍ فِي السَّلْبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
النُّكْتَةُ النَّحْوِيَّةُ : دُخُولُ حَرْفِ النَّفْيِ (لَا) عَاطِفَةً بَعْدَ الْإِيجَابِ الْمُقَدَّرِ، وَجَرُّ (مُتَغَيِّرٍ) بِالْبَاءِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِقَوْلِهِ سَابِقاً (رَفَعَ حَدَثاً بِالْمُطْلَقِ)، وَقَوْلُهُ (لَوْناً أَوْ طَعْماً أَوْ رِيحاً) مَنْصُوبَاتٌ عَلَى التَّمْيِيزِ لِرَفْعِ الْإِبْهَامِ عَنْ جِهَةِ التَّغَيُّرِ، مِمَّا أَفَادَ حَصْرَ مَوَاطِنِ السَّلْبِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَفْظاً وَمَعْنًى.
التَّخْرِيجُ عَلَى الْأُصُولِ الْمَالِكِيَّةِ : وَيُحْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى أَصْلِ (والثاني عشر: القياس) مِنَ الْأُصُولِ السِّتَّةَ عَشَرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَذَلِكَ بِقِيَاسِ سَلْبِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ عِنْدَ تَغَيُّرِهِ بِالْمَادَّةِ الطَّاهِرَةِ الْمُخَالِطَةِ (كَالدُّهْنِ) عَلَى سَلْبِهَا عِنْدَ تَغَيُّرِهِ بِالْمَادَّةِ النَّجِسَةِ الَّتِي انْعَقَدَ عَلَيْهَا الْإِجْمَاعُ، بِجَامِعِ عِلَّةِ (زَوَالِ رِقَّةِ الْمَاءِ وَإِطْلَاقِهِ اللَّفْظِيِّ بِسَبَبِ غَلَبَةِ الْأَجْنَبِيِّ الْمُفَارِقِ عَلَى أَوْصَافِ الْمَحَلِّ).
التحليل بالدلالات والمفاهيم
1. مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ : وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ (بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِباً)، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ الْمُخَالِفَ (وَهُوَ مَفْهُومُ صِفَةٍ صَحِيحٌ) أَنَّ الْمُغَيِّرَ إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يُفَارِقُ الْمَاءَ غَالِباً كَالطِّينِ وَالنَّوْرَةِ فِي مَقَرِّهِ، لَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ بَلْ يَبْقَى مُطَهِّراً.
2. دَلَالَةُ الْإِشَارَةِ : وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ (مِنْ طَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ) حَيْثُ يُشِيرُ اللَّفْظُ إِلَى أَنَّ الْأَثَرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا هُوَ سَلْبُ صِفَةِ "الْمُطَهِّرِ"، وَإِنِ افْتَرَقَا فِي أَنَّ النَّجِسَ يُوجِبُ تَنْجِيسَ الذَّاتِ، وَالطَّاهِرَ يُبْقِيهَا طَاهِرَةً.
التحليل بأدوات علم المنطق :
قَضِيَّةُ الْمَسْأَلَةِ : كُلِّيَّةٌ سَالِبَةٌ، لِأَنَّهَا تَقْضِي بِأَنَّهُ (لَا شَيْءَ مِنَ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالْمُخَالِطِ الْأَجْنَبِيِّ بِبَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ).
وَمَوْضُوعُهَا : (الْمَاءُ الْمُتَبَدِّلُ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِمَا يُفَارِقُهُ غَالِباً) وَالْوَصْفُ حَصَرَ الْأَفْرَادَ مَحَلَّ النَّظَرِ.
وَمَحْمُولُهَا : (سَلْبُ صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) وَالنِّسْبَةُ سَلْبُ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ عَنِ الْمَوْضُوعِ فِقْهِيّاً.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ : (كُلَّمَا خَالَطَ الْمَاءَ طَاهِرٌ أَجْنَبِيٌّ فَمَزَجَ أَوْصَافَهُ، خَرَجَ الْمَاءُ عَنِ اسْمِهِ الْمُطْلَقِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ تَغَيُّرَ التَّرْكِيبِ يُبْطِلُ الِاسْمَ عُرْفاً.
الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْمُنْفَصِلُ : (إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُغَيِّرُ لِلْمَاءِ مِمَّا يُفَارِقُهُ غَالِباً أَوْ مِمَّا لَا يُفَارِقُهُ غَالِباً) وَالْقِسْمَةُ حَاصِرَةٌ لِمَوَادِّ التَّغَيُّرِ.
الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُتَّصِلُ : (كُلَّمَا ثَبَتَ التَّغَيُّرُ بِالنَّجَاسَةِ، صَارَ الْمَاءُ نَجِساً إِجْمَاعاً، لَكِنَّ التَّغَيُّرَ بِالنَّجَاسَةِ ثَابِتٌ، لِيُنْتِجَ: صَارَ الْمَاءُ نَجِساً إِجْمَاعاً) وَذَلِكَ لِقَهْرِ النَّجَاسَةِ لِلْمَحَلِّ.
الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ الْمُنْفَصِلُ : (إِمَّا أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالدُّهْنِ نَاتِجاً عَنِ الْمُجَاوَرَةِ أَوْ عَنِ الْمُخَالَطَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَنِ الْمُجَاوَرَةِ هُنَا، لِيُنْتِجَ: هُوَ نَاتِجٌ عَنِ الْمُخَالَطَةِ) وَذَلِكَ لِوُجُودِ الِامْتِزَاجِ السَّالِبِ.
ثَالِثًا : الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ (إِلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ) : (إِلْحَاقُ التَّغَيُّرِ بِالصَّابُونِ الْمُخَالِطِ (فَرْعٌ) بِـ التَّغَيُّرِ بِالدُّهْنِ الْمُخَالِطِ (أَصْلٌ)) وَذَلِكَ بِجَامِعِ عِلَّةِ (مُمَازَجَةِ الْأَجْزَاءِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِلْمَاءِ الَّتِي تُخْرِجُهُ عَنِ اسْمِهِ الْمُطْلَقِ اخْتِيَاراً) فِي كِلَيْهِمَا.
وَمِنَ الْمُغَالَطَاتِ الْمَنْطِقِيَّةِ :
7. مغالطة الاحتكام إلى الجهل التعريف: افتراض أن الفكرة صحيحة لعدم وجود دليل يثبت خطأها، أو العكس. وَذَلِكَ بِادِّعَاءِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِالصَّابُونِ وَمَاءِ الْوَرْدِ يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ نِظَاماً، بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ يَمْنَعُ بِالِاسْمِ الْوُضُوءَ بِمَاءِ الصَّابُونِ، وَتَفْنِيدُهَا أَنَّ عَدَمَ وُجُودِ نَصٍّ خَاصٍّ بِالِاسْمِ لَا يَعْنِي الْإِبَاحَةَ، لِأَنَّ نَصَّ الْكِتَابِ قَيَّدَ التَّطْهِيرَ بِاسْمِ "الْمَاءِ" الْمُطْلَقِ، وَالْمُتَغَيِّرُ بِالْمُخَالِطِ خَرَجَ عَنِ الِاسْمِ بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ.
بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ :
1. الْمُعْتَمَدُ : أَنَّ الْمَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِمُخَالِطٍ طَاهِرٍ يُفَارِقُهُ غَالِباً يَصِيرُ طَاهِراً غَيْرَ مُطَهِّرٍ، وَإِنْ تَغَيَّرَ بِنَجِسٍ صَارَ نَجِساً، وَهُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي مَتْنِهِ تَبَعاً لِقَاعِدَةِ الْغَلَبَةِ الْمَذْهَبِيَّةِ الَّتِي حَرَّرَهَا شُرَّاحُ الْمُخْتَصَرِ.
2. الْقَوْلُ الْمُقَابِلُ : عَدَمُ السَّلْبِ بِالتَّغَيُّرِ بِالطَّاهِرِ إِذَا بَقِيَ اسْمُ الْمَاءِ جَارِياً عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مَّا، وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ يَرُدُّهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْإِطْلَاقِ اللَّفْظِيِّ لِلِاسْمِ.
التَّرْجِيحُ حَسَبَ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ : الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ قَضَاءً وَفُتْيَا هُوَ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ عَنِ الْمَاءِ بِالْمُخَالِطِ الْأَجْنَبِيِّ طَرْداً لِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ، كَمَا اسْتَقَرَّ التَّرْجِيحُ عَلَى عَفْوِ مَا لَا يُفَارِقُ الْمَاءَ كَمِلْحِ السَّبَخَةِ رِعَايَةً لِلضَّرُورَةِ النِّظَامِيَّةِ.
الترجيح حسب الدليل الاصولي فإن : الْقَوْلَ بِالسَّلْبِ أَرْجَحُ وَأَقْوَى دَلِيلًا مِنْ جِهَةِ (والثاني: ظاهر الكتاب وهو العموم)؛ لِأَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} يَقْتَضِي أَنَّ الْمَاءَ الْمُقَيَّدَ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الدُّهْنُ لَا يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ لِلْمَاءِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُبِيحُ النِّيَابَةَ عَنِ التَّيَمُّمِ.
~~~~

حكم الماء المطروح فيه قصدا من تراب أو ملح

قال الشيخ خليل :  أَوْ بِمَطْرُوحٍ فِيهِ ولَوْ قَصْداً مِنْ تُرَابٍ أَوْ مِلْحٍ ، 
والأَرْجَحُ السَّلْبُ بِالْمِلْحِ 
وَفِي الاتِّفَاقِ عَلَى السَّلْبِ بِهِ إِنْ صُنِعَ تَرَدُّدٌFF
تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى أَنَّ المَاءَ يَبْقَى طَهُوراً إِذَا تَغَيَّرَ بِالتُّرَابِ أَوِ المِلْحِ المَعْدِنِيِّ، حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ نَاتِجاً عَنْ طَرْحِهِمَا فِيهِ "قَصْداً" مِنْ فِعْلِ الفَاعِلِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ يَسْتَنِدُ إِلَى الأُصُولِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: الِارْتِبَاطُ بِأَصْلِ الأَرْضِ (الجِنْسِيَّةُ)
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: التُّرَابُ وَالمِلْحُ المَعْدِنِيُّ هُمَا مِنْ "أَجْزَاءِ الأَرْضِ"، وَالأَرْضُ فِيهَا صِفَةُ التَّطْهِيرِ كَمَا فِي المَاءِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ × : «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
فَلَمَّا كَانَ التُّرَابُ مُطَهِّراً فِي نَفْسِهِ عِنْدَ فَقْدِ المَاءِ (بِالتَّيَمُّمِ)، فَإِنَّهُ إِذَا خَالَطَ المَاءَ لَمْ يَسْلُبْهُ صِفَةَ التَّطْهِيرِ لِاتِّحَادِهِما فِي الغَايَةِ، وَلِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَغْلِبُ المَاءَ فِي مَاهِيَّتِهِ بَلْ يُكَدِّرُهُ فَقَطْ.
ثَانِيًا: حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ×  فِي "مَاءِ البَحْرِ"
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ×  فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ × ، إِنَّا نَرْكَبُ البَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا القَلِيلَ مِنَ المَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ البَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ × : «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ).
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: مَاءُ البَحْرِ مَاءٌ "مِلْحٌ" غَايَةَ المُلُوحَةِ، وَقَدْ أَقَرَّ النَّبِيُّ ×  طَهُورِيَّتَهُ رَغْمَ تَغَيُّرِ طَعْمِهِ بِالمِلْحِ؛ لِأَنَّ المِلْحَ مِنْ أَصْلِ مَقَرِّهِ، فَلَحِقَ بِهِ مَا طُرِحَ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى التَّيَمُّمِ
كَمَا أَنَّ التُّرَابَ يَقُومُ مَقَامَ المَاءِ فِي التَّطْهِيرِ (حُكْماً)، فَإِنَّ اخْتِلَاطَهُ بِهِ لَا يَنْقُضُ هَذَا الحُكْمَ. وَالطَّرْحُ "قَصْداً" لَا يُغَيِّرُ مِنْ حَقِيقَةِ التُّرَابِ بِأَنَّهُ طَهُورٌ، فَكَأَنَّكَ خَلَطْتَ طَهُوراً (مَاءً) بِطَهُورٍ (تُرَاباً).
قَوْلُ الشَّيْخِ خَلِيلٍ "وَلَوْ طُرِحَا" هُوَ مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ المَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ فَالشَّافِعِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّ الطَّرْحَ قَصْداً يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا كَانَ المُغَيِّرُ مِلْحاً مَصْنُوعاً. أَمَّا المَالِكِيَّةُ، فَمَشْهُورُ المَذْهَبِ عِنْدَهُمْ أَنَّ المِلْحَ (المَعْدِنِيَّ) وَالتُّرَابَ لَا يَسْلُبَانِ الطَّهُورِيَّةَ مُطْلَقاً لِقُوَّةِ شَبَهِهِمَا بِالمَاءِ فِي التَّطْهِيرِ.
التردُّدُ :  - كَمَا شَرَحْتُهَا فِي كِتَابِي مَفَاتِيحِ مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ- تُشيرُ هَذِهِ العِبَارَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إِلَى "الرَّأْيِ الأَرْجَحِ" عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ مِنَ المَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ المِلْحَ إِذَا كَانَ "مَصْنُوعاً" (أَيْ طُعَامِيّاً أَوْ مُسْتَخْرَجاً بِالصَّنْعَةِ) وَطُرِحَ فِي المَاءِ قَصْداً فَغَيَّرَهُ، فَإِنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ وَيُصَيِّرُهُ مَاءً طَاهِراً لَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا "الأَرْجَحِ" يَعْتَمِدُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: خُرُوجُ المَاءِ عَنِ "الإِطْلَاقِ"
المَاءُ إِذَا غُيِّرَ طَعْمُهُ بِالمِلْحِ المَصْنُوعِ طَرْحاً، صَارَ يُسَمَّى "مَاءً مَالِحاً" أَوْ "مَاءَ مِلْحٍ"، وَلَمْ يَعُدْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ "المَاءِ" بِلَا قَيْدٍ عِنْدَ العَرَبِ.
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ يَتَنَاوَلُ المَاءَ المُطْلَقَ، وَهَذَا المَاءُ الَّذِي خَالَطَهُ المِلْحُ المَصْنُوعُ قَصْداً خَرَجَ عَنِ الإِطْلَاقِ لِأَنَّ المِلْحَ هُنَا صَارَ كَالزَّعْفَرَانِ وَالسُّكَّرِ، لَا كَالمِلْحِ الَّذِي هُوَ "مِنْ أَصْلِ المَقَرِّ".
ثَانِيًا: انْتِفَاءُ عِلَّةِ "عُسْرِ الِاحْتِرَازِ"
المَذْهَبُ قَرَّرَ أَنَّ المِلْحَ المَعْدِنِيَّ فِي مَقَرِّهِ لَا يَضُرُّ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ (المَشَقَّةِ).
وَجْهُ الدَّلَالَةِ: لَمَّا كَانَ هَذَا المِلْحُ "مَطْرُوحاً قَصْداً"، انْتَفَتْ عِلَّةُ المَشَقَّةِ وَعُسْرِ الِاحْتِرَازِ؛ لِأَنَّ الفَاعِلَ هُوَ مَنْ أَدْخَلَهُ عَلَى المَاءِ، فَلَحِقَ بِجِنْسِ الطَّاهِرَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ الَّتِي تَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَتِ المَاءَ.
ثَالِثًا: القِيَاسُ عَلَى سَائِرِ المُغَيِّرَاتِ الطَّاهِرَةِ
كَمَا أَنَّ طَرْحَ الدَّقِيقِ أَوِ السُّكَّرِ فِي المَاءِ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إِذَا غَيَّرَهُ، فَكَذَلِكَ المِلْحُ المَصْنُوعُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِرْمٌ طَاهِرٌ بَايَنَ المَاءَ فِي أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَغَيَّرَهُ بِفِعْلِ آدَمِيٍّ، فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الغَالِبِ.
اسْتَعْمَلَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لَفْظَ "الأَرْجَحُ" لِابْنِ يُونُسٍ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ فِي المَسْأَلَةِ خِلَافاً قَوِيّاً دَاخِلَ المَذْهَبِ؛ حَيْثُ يَرَى ابْنُ القَاسِمِ (فِي إِحْدَى رِوَايَاتِهِ) أَنَّ المِلْحَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ مُطْلَقاً لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ المَاءِ (بِاعْتِبَارِ مَاءِ البَحْرِ)، لَكِنَّ المُحَقِّقِينَ مِنَ المَالِكِيَّةِ رَجَّحُوا السَّلْبَ فِي المَصْنُوعِ المَطْرُوحِ قَصْداً تَفْرِيقاً بَيْنَ مَا هُوَ طَبِيعِيٌّ وَمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ.

حكم الماء المتغير بقراره

 الْمَسْأَلَةُ: حُكْمُ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِمَقَرِّهِ أَوْ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ وَأَثَرُ طَرْحِ المَصْنُوعِ قَصْداً
وَمِثَالُهَا: أَنْ يَمُرَّ المَاءُ الجَارِي فِى نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ فَوْقَ طَبَقَاتٍ كِبْرِيتِيَّةٍ أَوْ مَعَادِنَ جَبَلِيَّةٍ فَيَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ بِسَبَبِ طَبِيعَةِ هَذَا المَقَرِّ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِيهِ، فَيَبْقَى طَهُورًا مُطْلَقًا يَصِحُّ بِهِ رَفْعُ الحَدَثِ، ثُمَّ كَذَلِكَ تَذْكُرُ وَمِثَالُهَا: أَنْ يَعْمِدَ المُكَلَّفُ إِلَى مَاءٍ مُطْلَقٍ فَيُلْقِيَ فِيهِ طَائِفَةً مِنْ مِلْحٍ مَصْنُوعٍ طَعَامِيٍٍّ قَصْدًا فَيُغَيِّرَ طَعْمَهُ جَذْرِيًّا، فَيُسْلَبَ المَاءُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ عِنْدَئِذٍ لِانْفِكَاكِ عِلَّةِ المَقَرِّ الشَّرْعِيِّ عَنْهُ.
أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: «أَوْ بِقَرَارِهِ كَمِلْحٍ»
وَمَعْنَاهَا: أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ الثَّلَاثَةِ بِمَا نَشَأَ فِى مَقَرِّهِ وَمَكَانِ اسْتِقْرَارِهِ، رَبْطًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ المَعْفُوَّاتِ الَّتِي لَا تَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ، فَإِنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ لَا يَضُرُّ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَمَثَّلَ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ النَّاشِئِ فِي مَوْضِعِهِ لِتَنْبِيهِ المُكَلَّفِ عَلَى أَنَّ المِلْحَ المَصْنُوعَ المَطْرُوحَ فِعْلًا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِانْتِفَاءِ التَّوَلُّدِ المَكَانِيِّ.

الأَدِلَّةُ مِنْ:

1. القُرْآنِ الكَرِيمِ: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى المَاءَ النَّازِلَ طَهُورًا بِإِطْلَاقٍ، وَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ المِيَاهَ بَعْدَ نُزُولِهَا تَمُرُّ بِالقَرَارِ الأَرْضِيِّ وَتُخَالِطُ المَعَادِنَ وَالمِلْحَ الجَبَلِيَّ فَتَتَغَيَّرُ بِهِ طَبِيعَةً، فَلَوْ كَانَ هَذَا التَّغَيُّرُ المَقَرِّيُّ سَالِبًا لِلْطَّهُورِيَّةِ لَمَا بَقِيَ مَاءٌ فِى الأَرْضِ مُطْلَقًا، فَثَبَتَ العَفْوُ عَنِ القَرَارِ قُرْآنِيًّا.
2. السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ × قَالَ فِي البَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ»
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ النَّبِيَّ × نَصَّ عَلَى طَهُورِيَّةِ مَاءِ البَحْرِ رَغْمَ شِدَّةِ مُلُوحَتِهِ وَتَغَيُّرِ طَعْمِهِ، وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ المُلُوحَةَ نَاشِئَةٌ عَنْ مَقَرِّهِ وَقَرَارِهِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّه عَلَيْهِ، فَكَانَ الحَدِيثُ أَصْلًا سُنِّيًّا فِى عَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ بِمَا فِى المَقَرِّ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ كَالمِلْحِ.
3. قِيَاسِ العِلَّةِ: وَذَلِكَ بِقِيَاسِ «التَّغَيُّرِ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ النَّاشِئِ فِي المَقَرِّ» عَلَى «التَّغَيُّرِ بِالتُّرَابِ وَالمَغْرَةِ المَوْجُودَةِ فِى المَجْرَى» فِي عَدَمِ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ، وَالعِلَّةُ الجَامِعَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ «عُسْرُ الِاحْتِرَازِ عَنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ الَّتِي يُلَازِمُهَا المَاءُ طَبِيعَةً»، فَكَمَا طُرِدَ العَفْوُ فِى التُّرَابِ طُرِدَ فِى المِلْحِ المَعْدِنِيِّ.

4. قَاعِدَةِ المَشَقَّةِ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ: لِأَنَّ إِيجَابَ صَوْنِ المِيَاهِ عَنِ التَّغَيُّرِ بِالتُرْبَةِ أَوْ المَعَادِنِ المُسْتَقِرَّةِ فِى قَعْرِهَا يُفْضِي إِلَى الحَرَجِ وَتَعْطِيلِ مَصَالِحِ العِبَادِ، فَعَفَا الشَّارِعُ عَنْ هَذَا التَّغَيُّرِ تَيْسِيرًا وَأَبْقَاهُ عَلَى أَصْلِ خِلْقَتِهِ.
الفَوَائِدُ:
النُّكْتَةُ الأُصُولِيَّةُ: تَنْقِيحُ مَنَاطِ «مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ غَالِبًا»؛ حَيْثُ جَعَلَ المَالِكِيَّةُ أُصُولِيًّا المَقَرَّ وَالمَجْرَى فِى رُتْبَةِ المُتَّصِلِ بِالمَاءِ حُكْمًا، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ المِلْحِ المَعْدِنِيِّ أَجْنَبِيًّا عَنِ المَاءِ، بِخِلَافِ المِلْحِ المَصْنُوعِ الطَّعَامِيِّ الَّذِي يَنْفَكُّ عَنْهُ المَاءُ فَيُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الأَجْنَبِيِّ المَطْرُوحِ قَصْدًا سَدًّا لِلْذَّرِيعَةِ.

النُّكْتَة...ُ البَلَاغِيَّةُ: فِي تَمْثِيلِ المُصَنِّفِ بِالمِلْحِ دُوْنَ غَيْرِهِ مِنَ المَعَادِنِ بَلَاغَةُ تَنْبِيهٍ بِالأَعْلَى عَنِ الأَدْنَى؛ لِأَنَّ المِلْحَ يُحِيلُ الطَّعْمَ إِحَالَةً جَذْرِيَّةً وَيَظهَرُ فِيهِ أَثَرُ التَّغَيُّرِ جَلِيًّا، فَذِكْرُهُ يَسْتَلْزِمُ العَفْوَ عَمَّا دُونَهُ كَالتُّرَابِ لِأَنَّ عِلَّةَ التَّغَيُّرِ فِيهِ أَقْوَى ظُهُورًا.
تَحْلِيلُ المَسْأَلَةِ:
التَّحْلِيلُ الفِقْهِيُّ وَالنَّظَرُ الفِقْهِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ: النَّظَرُ الفِقْهِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ طَبِيعَةِ المُغَيِّرَاتِ المَكَانِيَّةِ؛ فَمَا كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنَ المَاءِ أَوْ أَرْضِهِ كَالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ وَالجِبْسِ المَوْجُودِ فِى المَنْبَعِ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ اتِّفَاقًا. لَكِنْ لَوْ أُخِذَ هَذَا المِلْحُ المَعْدِنِيُّ نَفْسُهُ وَطُرِحَ فِى مَاءٍ آخَرَ قَصْدًا، فَالْمَذْهَبُ عَلَى سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ لِأَنَّهُ صَارَ مَطْرُوحًا مُنْفَكًّا عَنِ المَقَرِّ، وَالمِلْحُ المَصْنُوعُ طَعَامِيًّا يَسْلُبُ فِى جَمِيعِ الأَحْوَالِ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَاشِئٍ مِنَ الطَّبِيعَةِ المَائِيَّةِ.
وَمَنَاطَاتُ المَسْأَلَةِ: تَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَاطَاتٍ: المَنَاطُ الأَوَّلُ: مَنَاطُ التَّوَلُّدِ الذَّاتِيِّ فِي المَحَلِّ. المَنَاطُ الثَّانِي: مَنَاطُ الفَرْقِ بَيْنَ الفِعْلِ البَشَرِيِّ الطَّارِحِ وَبَيْنَ الفِعْلِ الجِبِلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ. المَنَاطُ الثَّالِثُ: مَنَاطُ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ المُوجِبِ لِلْعَفْوِ التَّشْرِيعِيِّ.
التَّحْلِيلُ بِالدَّلَالَاتِ وَالمَفَاهِيمِ:
1. مَفْهُومُ المُخَالَفَةِ مَفْهُومُ الوَصْفِ لِلْقَرَارِ: فِي قَوْلِهِ «بِقَرَارِهِ» مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ صِفَاتِيٌّ؛ يَقْتَضِي أَنَّ التَّغَيُّرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِقَرَارِ المَاءِ وَلَا بِمَجْرَاهُ بَلْ بِأَجْنَبِيٍِّ عَنْهُ خَارِجِيٍِّ، فَإِنَّهُ يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ حَتْمًا لِانْتِفَاءِ صِفَةِ المُلازَمَةِ المَكَانِيَّةِ.

2. دَلَالَةُ الِاقْتِضَاءِ: حَيْثُ يَقْتَضِي الحُكْمُ بِبَقَاءِ طَهُورِيَّةِ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِمِلْحِ مَقَرِّهِ صِحَّةَ عَقْدِ الصَّلَاةِ بِهِ ضِمْنًا دُوْنَ حَاجَةٍ لِإِعَادَةِ التَّطْهِيرِ، لِأَنَّ المَشْرُوعَ طَهُورٌ اقْتِضَاءً.

التَّحْلِيلُ بِأَدَوَاتِ عِلْمِ المَنْطِقِ:

قَضِيَّةُ المَسْأَلَةِ: قَضِيَّةٌ حَمْلِيَّةٌ مُوجَبَةٌ مَقْرُونَةٌ بِشَرْطِ النَّشْأَةِ المَكَانِيَّةِ.

وَمَوْضُوعُهَا: «المَاءُ المُطْلَقُ الَّذِي تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِمَادَّةِ مَقَرِّهِ الحِسِّيِّ».

وَمَحْمُولُهَا: «هُوَ مَاءٌ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ يُعْفَى عَنْ تَغَيُّرِهِ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ»، وَالنَّسَبَةُ إِثْبَاتُ الوَصْفِ.

التَّحْلِيلُ مَنْطِقِيًّا:

الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الْحَمْلِيُّ - الشَّكْلُ الْأَوَّلُ:

 مُقَدِّمَةٌ كُبْرَى : كُلُّ مُغَيِّرٍ لِلْمَاءِ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ طَبِيعَةً لَمْ يَسْلُبْهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ شَرْعًا.
 مُقَدِّمَةٌ صُغْرَى : المِلْحُ المَعْدِنِيُّ فِي مَقَرِّ المَاءِ هُوَ مُغَيِّرٌ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ طَبِيعَةً.
 نَتِيجَةٌ : المِلْحُ المَعْدِنِيُّ فِي مَقَرِّ المَاءِ لَمْ يَسْلُبْهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ شَرْعًا وَهُوَ بَقَاءُ إِطْلَاقِهِ.

الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ الشَّرْطِيُّ الْمُتَّصِلُ:
«كُلَّمَا وَقَعَ التَّغَيُّرُ بِالمِلْحِ المَصْنُوعِ المَطْرُوحِ قَصْدًا، بَطَلَ عُذْرُ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ، وَإِذَا بَطَلَ عُذْرُ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ، سُلِبَتِ الطَّهُورِيَّةُ عَنِ المَاءِ المَشْرُوعِ» وَذَلِكَ لِتَحْقِيقِ الفَصْلِ مَنْطِقِيًّا.

الْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيُّ المُتَّصِلُ:
«لَوْ كَانَ المِلْحُ المَعْدِنِيُّ المَقَرِّيُّ سَالِبًا لِلْطَّهُورِيَّةِ كَالمِلْحِ الطَّعَامِيِّ المَصْنُوعِ، لَمَا حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ بِطَهُورِيَّةِ مَاءِ البَحْرِ الشَّدِيدِ المُلُوحَةِ، لَكِنَّهُ حَكَمَ بِطَهُورِيَّتِهِ نَصًّا فِى السُّنَّةِ» وَذَلِكَ يُنْتِجُ أَنَّ المِلْحَ المَقْرِّيَّ لَيْسَ سَالِبًا لِلتَّطْهِيرِ.

الْقِيَاسُ التَّمْثِيلِيُّ الْفِقْهِيُّ:
«إِلْحَاقُ التَّغَيُّرِ بِالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ النَّاشِئِ فِي المَقَرِّ فَرْعٌ بِالتَّغَيُّرِ بِالتُّرَابِ المَوْجُودِ فِي القَعْرِ أَصْلٌ فِي عَفْوِ الشَّارِعِ عَنِ الأَثَرِ الطَّعْمِيِّ أَوِ اللَّوْنِيِّ» وَذَلِكَ بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَادَّةٌ أَرْضِيَّةٌ يُلَازِمُهَا المَاءُ فِى مَكَانِهِ وَيَعْسُرُ فِصَالُهَا عَنْهُ، فَكَمَا أَنَّ الأَصْلَ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ فَكَذَلِكَ الفَرْعُ تَبَعًا لِتَقْرِيرِ عَلِيشٍ.

مَقُولَةُ الكَيْفِ وَالأَيْنِ: تَظْهَرُ مَقُولَةُ «الكَيْفِ» فِى الوَصْفِ الطَّعْمِيِّ المَالِحِ الطَّارِئِ عَلَى المَاءِ، وَمَقُولَةُ «الأَيْنِ» فِي مَحَلِّ الِاسْتِقْرَارِ وَهُوَ المَقَرُّ الشَّرْطِيُّ.

مُغَالَطَةُ الإِحْرَاجِ الزَّائِفِ: حَيْثُ حَاوَلَ بَعْضُ النَّاظِرِينَ حَصْرَ حُكْمِ المِلْحِ بَيْنَ خِيَارَيْنِ ثُنَائِيَّيْنِ: إِمَّا جَوَازُ التَّطْهِيرِ بِكُلِّ مِلْحٍ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَعْدِنِيًّا أَوْ مَصْنُوعًا طَعَامِيًّا، أَوْ سَلْبُ الطَّهُورِيَّةِ عَنْ كُلِّ مَاءٍ دَخَلَهُ المِلْحُ وَلَوْ كَانَ مَاءَ بَحْرٍ، فَيَقَعُ الخَلَلُ، فَيَرُدُّ الشَّيْخُ خَلِيلٌ هَذَا الإِحْرَاجَ بِإِثْبَاتِ تَفْصِيلٍ تَقْسِيمِيٍِّ ثَالِثٍ وَهُوَ: أَنَّ المِلْحَ المَعْدِنِيَّ المَقْرِّيَّ لَا يَضُرُّ نَصًّا نَعَمْ، لَكِنَّ المِلْحَ المَصْنُوعَ المَطْرُوحَ يَضُرُّ قَطْعًا، فَبَطَلَ الحَصْرُ الزَّائِفُ لِانْفِكَاكِ جِهَةِ التَّوَلُّدِ عَنِ الطَّرْحِ البَشَرِيِّ.

### مُقَارَنَةُ الشُّرُوحِ بَيْنَ عَبْدِ البَاقِي الزَّرْقَانِيِّ وَأَحْمَدَ الدَّرْدِيرِ وَعَلِيشٍ وَمُحَمَّدٍ عَرَفَةَ الدَّسُوقِيِّ:

تَتَّفِقُ هَذِهِ الشُّرُوحُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ المِلْحَ المَعْدِنِيَّ النَّاشِئَ فِي المَقَرِّ لَا يَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ خِلَافٌ فِقْهِيٌّ فِى أَبْوَابِ النَّوَازِلِ فِي هَذِهِ الجُمْلَةِ، حَيْثُ نَقَلَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ الدَّرْدِيرُ وَعَلِيشٌ وَالدَّسُوقِيُّ اتِّفَاقَ الأَصْحَابِ عَلَى صِحَّةِ التَّطْهِيرِ بِهِ صِيَانَةً لِمَاءِ البِحَارِ، دُوْنَ أَيِّ مُخَالَفَةٍ رِوَائِيَّةٍ تَسْتَدْعِي الفَصْلَ التَّرْجِيحِيَّ فِى المَذْهَبِ.

بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ:

1. المَعْتَمَدُ : هُوَ أَنَّ المَاءَ إِذَا تَغَيَّرَ بِمَقَرِّهِ كَالمِلْحِ المَعْدِنِيِّ الجَبَلِيِّ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ صِيَانَةً لِلْعِبَادَةِ، أَمَّا المِلْحُ المَصْنُوعُ الطَّعَامِيُّ المَطْرُوحُ فِعْلًا فَيَسْلُبُ الطَّهُورِيَّةَ حَتْمًا. وَقَالَ بِهِ الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَنَصَّتْ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُ المَذْهَبِ، وَحَفِظَهُ خَلِيلٌ فِي مَتْنِهِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الزَّرْقَانِيُّ وَالدَّرْدِيرُ وَعَلِيشٌ وَالدَّسُوقِيُّ.
2. الْقَوْلُ المُقَابِلُ : لَا يُوجَدُ قَوْلٌ مُقَابِلٌ مُعْتَمَدٌ يُخَالِفُ المَعْتَمَدَ فِي عَفْوِ المِلْحِ المَعْدِنِيِّ المَقْرِّيِّ لِقُوَّةِ نَصِّ البَحْرِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ نَظَرٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ خَارِجِيِّ المَذْهَبِ يَسْوِي بَيْنَ المِلْحَيْنِ فِي السَّلْبِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ أُصُولِيًّا لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ التَّطْهِيْرِ بِمَاءِ البَحْرِ المُنَزَّلِ سُنَّةً.

التَّرْجِيحُ حَسَبَ قُوَّةِ الأَدِلَّةِ الأُصُولِيَّةِ:
يَتَرَجَّحُ المَعْتَمَدُ المَاقِضُ بِأَصَالَةِ عَفْوِ التَّغَيُّرِ بِمِلْحِ المَقَرِّ المَعْدِنِيِّ دُوْنَ المَصْنُوعِ المَطْرُوحِ؛ لِأَنَّهُ المَبْنِيُّ عَلَى قَاعِدَةِ «العَفْوُ مَنُوطٌ بِعِلَّةِ عُسْرِ الِاحْتِرَازِ مَصْلَحَةً تَسْهِيلاً عَلَى المُكَلَّفِينَ»، حَيْثُ إِنَّ المَاءَ فِى طَبِيعَتِهِ الجِبِلِّيَّةِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ طِينِ الأَرْضِ وَمَعَادِنِهَا فِى المَقَرِّ الشَّرْطِيِّ فَلَوْ سَلَبْنَاهُ صِفَتَهُ لَعَطَّلْنَا رُخْصَةَ التَّطْهِيرِ البُقْعِيَّةِ، بِخِلَافِ المِلْحِ المَصْنُوعِ الطَّعَامِيِّ الَّذِي يُدْخِلُهُ المُكَلَّفُ بِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ فَيَنْتَفِي عَنْهُ عُذْرُ الضَّرُورَةِ المَكَانِيَّةِ، فَرَجَحَتْ جِهَةُ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ الطَّبِيعِيِّ وَالبَشَرِيِّ احْتِيَاطًا لِأَمْوَالِ وَأَبْدَانِ الطَّهَارَةِ الشَّرِيفَةِ.

مثال 1 : أَنْ يَتَدَفَّقَ مَاءُ عَيْنٍ طَبِيعِيَّةٍ فَوْقَ عُرُوقٍ نُحَاسِيَّةٍ أَوْ كِبْرِيتِيَّةٍ فِي بَاطِنِ الأَرْضِ فَيَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ إِلَى الصُّفْرَةِ وَحُكْمُهُ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ يَصِحُّ بِهِ الوُضُوءُ وَالغُسْلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ نَاتِجٌ عَنْ أَرْضِ مَنْبَعِهِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ صَوْنُهُ عَنْهَا طَبِيعَةً.

مثال 2 : أَنْ يَمْكُثَ مَاءُ الأَمْطَارِ فِى غَدِيرٍ أَرْضِيٍّ جَوْفِيٍ فَتُحِيلَ التُّرْبَةُ الحَمْرَاءُ المُسْتَقِرَّةُ فِى قَاعِهِ لَوْنَ المَاءِ إِلَى الكُدُورَةِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ يُزِيلُ الخَبَثَ وَيَرْفَعُ الحَدَثَ وَذَهصرية
لِكَ لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْ مُمَازَجَةِ الأَرْضِ لِلْمَاءِ فِى مَقَرِّهِ الحِسِّيِّ.

مثال 3 : أَنْ يَجْرِيَ مَاءُ النَّهْرِ فَوْقَ سَبْخَةٍ مِلْحِيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ فِى تِلْكَ الأَرْضِ فَيَكْتَسِبَ المَاءُ مُلُوحَةً ظَاهِرَةً فِي طَعْمِهِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهُ فِى العِبَادَاتِ وَذَلِكَ لِتَوَلُّدِ هَذَا المِلْحِ المَعْدِنِيِّ فِى مَجْرَاهُ الطبيعيِّ دُوْنَ صُنْعٍ بَشَرِيٍ
مثال 4 : أَنْ يَتَغَيَّرَ طَعْم المَاءِ المَوْجُودِ فِى الآبَارِ القَدِيمَةِ بِسَبَبِ طُولِ مُكْثِهِ فِى طَبَقَاتِ الجِيرِ وَالرُّخَامِ الأَرْضِيِّ المَبْنِيِّ فِيهِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مَاءٌ صَالِحٌ لِلْطَّهَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِلَا كَرَاهَةٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا التَّغَيُّرَ نَاشِئٌ عَنِ المُلازَمَةِ الدَّائِمَةِ بَيْنَ المَاءِ وَمَحَلِّ اسْتِقْرَارِهِ.

مثال 5 : أَنْ يَنْبَعَ مَاءٌ مِنْ بَيْنِ صُخُورٍ تُرَابِيَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالمَغْرَةِ فَيَصِيرَ المَاءُ مُتَغَيِّرَ الرِّيْحِ بِرَائِحَةِ الطِّيْنِ الغَالِبَةِ وَحُكْمُهُ بَقَاءُ صِفَةِ التَّطْهِيرِ فِيهِ فَرْضًا وَنَفْلًا وَذَلِكَ لِجَرَيَانِ القَاعِدَةِ بِأَنَّ كُلَّ مَا غَيَّرَ المَاءَ مِمَّا هُوَ مِنْ أَجْزَاءِ الأَرْضِ فِى مَقَرِّهِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ تَسْهِيلاً عَلَى المُكَلَّفِينَ.

نوازل 
مثال 1 : أَنْ يَمْكُثَ المَاءُ مُدَّةً طَوِيلَةً دَاخِلَ خَرَاطِيمِ المِيَاهِ المَصْنُوعَةِ مِنَ المَطَّاطِ أَوْ المَوَادِّ البِلَاسْتِيكِيَّةِ فَيَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيْحُهُ بِرَائِحَةِ المَطَّاطِ وَحُكْمُهُ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ يَصِحُّ بِهِ الوُضُوءُ وَالغُسْلُ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الخَرَاطِيمَ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ المَقَرِّ وَالوِعَاءِ لِلْمَاءِ فَيُعْفَى عَمَّا تَغَيَّرَ بِهَا لِعُسْرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ حَالَ حِفْظِهِ.

مثال 2 : أَنْ تَتَغَيَّرَ المِيَاهُ دَاخِلَ الصُّنْبُورِ وَالمَوَاسِيرِ الحَدِيدِيَّةِ بِسَبَبِ صَدَإِ الحَدِيدِ أَوْ طُولِ المُكْثِ فِيهَا فَيَمِيلَ لَوْنُهُ إِلَى الحُمْرَةِ أَوْ الكُدُورَةِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ يُزِيلُ الخَبَثَ وَيَرْفَعُ الحَدَثَ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ المَوَاسِيرَ هِيَ مَجْرَى المَاءِ الضَّرُورِيُّ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ لِلْوُصُولِ إِلَى البُيُوتِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ المَجْرَى الأَرْضِيِّ فِى العَفْوِ تَيْسِيرًا.

مثال 3 : أَنْ يَسْتَقِرَّ المَاءُ فِى الخَزَّانَاتِ البِلَاسْتِيكِيَّةِ أَوْ الفَايْبَر جِلَاس فَيَتَغَيَّرَ طَعْمُهُ أَوْ رِيْحُهُ بِسَبَبِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ المُؤَثِّرَةِ فِى جُدْرَانِ الخَزَّانِ وَحُكْمُهُ طَهُورٌ مُطْلَقٌ جَائِزٌ اسْتِعْمَالُهُ فِي العِبَادَاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الخَزَّانَ هُوَ مَقَرُّ المَاءِ المُعَدِّ لِلْخَزْنِ وَالتَّغَيُّرُ النَّاشِئُ عَنْ طُولِ المُكْثِ فِى المَقَرِّ المَصْنُوعِ لِلْحِفْظِ لَا يَضُرُّ فِى المَذْهَبِ لِعُسْرِ صَوْنِهِ.



👁️ الـمشاهدون: جاري الحساب...
🎓 عدد حضور الأعضاء لجميع الدروس: ...
0